سُلّمٌ بدرجاتٍ مفقودة
29-10-2020

 

في التعبير الشعبيّ المعروف، يوصَف مَن يعمل بما لم يعهدْه المجتمعُ بأنّه "حامل السُّلَّم بالعرض." ولكنّه، في الحقيقة، قد ينطق بالحقّ أحيانًا، وإنْ كان حقًّا خفيًّا، أيْ غيرَ معلنٍ أو مألوفٍ. وفي المقابل، قد يكون الباطلُ الرائجُ هو "الحقَّ" المتعارفَ عليه، وإنْ أتى نسبيًّا أو اقتصر على مرحلةٍ مستقطعة.

هذه بعضُ أمثالنا، وبعضُ ما تعلّمناه في المدرسة وخارجها.

لكنّ هناك سلّمًا من نوعٍ آخر: إنّه السلّمُ التعليميّ. وهذا يعني مدّةَ التعليم الذي يخضع له المتعلّمُ وفق النظام التعليميّ القائم في مجتمعٍ ما، ومراحلَ هذا التعليم (رياض الأطفال وأساسي وثانوي، كما في لبنان اليوم، أيْ 3-6–6، وقد تتفاوت بين نظامٍ تعليميٍّ وآخر)، ثمّ عددَ أيّام العام الدراسيّ، ومدّةَ اليوم المدرسيّ والحصّةِ الدراسيّة، وطرائقَ التعليم، وفلسفةَ التقويم وأدواته، وشروطَ الترفيع. ويأتي السلّمُ التعليميّ ثمرةً لأسسٍ علميّةٍ وتربويّةٍ وسيكولوجيّةٍ ترتبط بخصائص النموّ، وبمتطلّبات النضج العقليّ والنفسيّ، والقدرةِ على الاستيعاب، وتنميةِ الاستعدادات، والكشفِ عن الميول، واكتسابِ القيم والمهارات. وكلُّ ذلك يؤثّر بشكلٍ كبيرٍ في مردود العمليّة التعليميّة/التعلّميّة.

قبل زمن كورونا، حمل أصحابُ القرار التربويّ والباحثون التربويّون السلّمَ التعليميَّ بالطول؛ فقصّوا، وقصّروا، أو لصقوا مراحلَ وأعوامًا دراسيّةً.:

- في اليابان مثلًا، جعلوا العامَ الدراسيّ يشمل أغلبَ فصول السنة، باستثناء جزءٍ يسيرٍ من فصل الصيف.هناك، يبدأ اليومُ الدراسيُّ في الثامنة والنصف صباحًا، ويتدخّل المناخُ في تحديد زمن الحِصّة؛ فينخفض بخمس دقائق عند حلول الصيف وارتفاع درجة الحرارة، ليُصبح 45 دقيقةً بدلًا من 50 دقيقة.[1]

- وفي فنلندا، يتقلّص السلّمُ مع تعليمٍ إلزاميٍّ للصفوف التسعة الأولى بعدما يبلغ الأطفالُ السابعةَ من عمرهم. أيّامُ الدوام المدرسيّ هناك 190 يومًا فقط، وساعاتُ الدراسة اليوميّة خمسٌ تقريبًا.[2]

- أمّا البلادُ العربيّة فغالبًا ما تعتمد سلّم 6–3–3: إذ تتألّف المرحلةُ الابتدائيّة من 6 سنواتٍ دراسيّة، والمرحلةُ المتوسّطة أو الإعداديّة من 3 سنوات، والمرحلةُ الثانويّة من 3 سنوات. وقد طَبعت الممارساتِ التربويّةَ فيها عواملُ تاريخيّةٌ (شأن ما خلّفه الاستعمارُ أو الانتدابُ من تأثيرٍ في نظامها التعليميّ بشكلٍ عامّ وفي سلّمها التعليميّ بشكلٍ خاصّ)، وعواملُ اجتماعيّةٌ (واقع ثقافة المجتمع وموقع نظام التعليم من النظام الاجتماعيّ والسياسيّ).

طبعًا ليست ثمّة وصفةٌ واحدةٌ للنجاح (ولا للفشل)، وإنْ أشارت منظّمةُ اليونسكو[3] إلى مشكلات التعليم في الدول العربيّة، وهي تختلف من دولةٍ إلى أخرى. وهذه المشكلات تتّصل بمتغيّراتٍ ذاتِ علاقةٍ بالسلّم التعليميّ، وأهدافِ التعليم، والمناهج، ونُظُمِ الامتحانات، والأطرِ العامّةِ الموضوعة في المراحل التعليميّةِ المختلفة. ويلاحظ هلّون وآخرون[4] أنّ التغيّرات والتحدّيات غيرَ المسبوقة تطرح نفسَها بوتيرةٍ متصاعدةٍ على أجندة التربيةِ النظاميّة في سبيل تقديم تعلّمٍ وتعليمٍ ومنظوماتٍ ملائمةٍ لنموّ كلّ إنسان مع تنامي المعلومات والتكنولوجيا. ولئن أعلنت اليونيسكو أنّ "التربية والتعليم صالحٌ عامّ، وحقٌّ أساسيٌّ من حقوق الإنسان، وأساسٌ يُستند إليه لضمان إنفاذ الحقوق الأخرى وتحقيقِ الذات والازدهار البشريّ والتنمية المستدامة،"[5] فإنّ التربية السائدة في الدول العربيّة تخضع لفلسفةٍ تربويّةٍ وسياساتٍ تعود إلى القرن التاسع عشر، وتُمارَس في أطرٍ قديمةٍ وظروفٍ غير مؤاتية؛ ما يؤدي إلى شوائبَ في التعليم، وضعفٍ في التعلّم، و"خرافاتٍ أو أوهامٍ بيداغوجيّةٍ وتنظيميّة."[6] كما تُظهر عدّةُ أبحاث ودراساتٍ مقارنةٍ عالميّةٍ أنّ الدول العربية متخلّفةٌ وراء معظم دول العالم في ما يتعلّق بفهم الطالب المجدي لِما يُفترض أن تغطّيه مناهجُنا التربويّة.[7]

في عزّ هذه الحشرة، ضربتْ كورونا ضربتَها في السلّم التعليميّ كمكوِّنٍ تنظيميّ، وتاليًا كمعيارٍ للجودة في التعليم، وعاملٍ مساهمٍ في التنمية. وتقلّصتْ مدّةُ العام الدراسيّ بفعل الإقفال (كما في الكويت ولبنان). ويُنْذر العامُ الدراسيُّ الراهن ببدايةٍ مضطربةٍ قد تقرِّبه من مصير العام الدراسيّ المنصرم. وانمحت الحدودُ بين درجات السلّم التعليميّ بفعلِ ما طرأ من تعديلٍ على التقويم و"الترفيع" في الأنظمة، التي ذهبتْ إلى خيار إقفال المدارس والاعتمادِ حصرًا على التعليم عن بُعد.

 

التعليم في زمن كورونا أظهر كلَّ مواجع النظام التعليميّ وإلزاماتِ تطويره

 

هكذا أصبح السلّمُ التعليميّ ذا درجاتٍ عديدةٍ مفقودة بفعل غياب التقويم، وبفعل الترفيع من دون التأكّد من اكتساب المهارات المطلوبة. وهذه أضرارٌ يصعب ترميمُها، ولا عودةَ معها إلى الوراء. فالسلّمُ التعليميّ يخلِّف أثرًا دامغًا في تيسير (أو تعسُّر) انتقال المتعلّمين ومتابعةِ دراستهم في صفوفٍ مماثلة، وفي معادلةِ الشهادات، وفي حركةِ الموارد البشريّة المتعلّمة في العالم بأسره، وفي الدولة نفسِها، عبر تقريب أهداف التعليم والمناهج ونُظمِ الامتحانات والقبول في المراحل التعليميّة المختلفة.

وعلاوةً على ذلك، فقد فرضتْ كورونا في بعض المدارس والنُّظُم إحلالَ التعليم عن بُعد محلَّ التعليم الحضوريّ في الصفّ. فتفاوت المشهدُ:

- بين مدارسَ كانت تَستخدم وسائلَ التكنولوجيا من ضمن عمليّةِ التعليم، فتابعتْ مهمّتَها بسلاسة.

- ومدارسَ أخرى تعثّرتْ لأسبابٍ عديدة، منها النقصُ في التجهيزات أو في إعداد الأساتذة وتدريبِهم على استخدام التكنولوجيا في التعليم، ومنها عوائقُ ترتبط بالمستوى الاقتصاديّ والاجتماعيّ لبيئات المتعلّمين وظروفِ توافرِ الخدمات.

ويمكن القولُ هنا إنّ الإنتقال من التعليم الحضوريّ في الصفّ إلى التعليم عن بُعد في ظلّ كورونا يضرب المساواةَ التي تقدّمها المدرسة. ذلك لأنّ فرصَ الوصول إلى التعلّم وظروفه تختلف؛ ما يزيد من التهميش واللاتكافؤ الاجتماعيّ، ومن عدم "ضمان التعليم الجيّد والمنصِف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلّم مدى الحياة للجميع."[8]

علاوةً على ذلك، فقد ظهر لنا، أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى، أنّ التعليم عن بُعد ذو فعّاليّةٍ ظرفيّةٍ محدّدة. وهو عاجزٌ كلَّ العجز عن الحلول محلَّ المدرسة: لا في توفير المعرفة للمتعلّمين، ولا في اكتساب المهارات والقدرات المطلوبة. ذلك لأنّ آليّات تناقُل المعرفة التي تعمل عليها المدرسةُ متعدّدةٌ ومرتبطةٌ بالمُناخ الصفّيّ، وبالبيئة المدرسيّة، وبعمليّةٍ تفاعليّةٍ لا غنى عنها لتحقيق النموّ المعرفيّ والاجتماعيّ والنفسيّ والعاطفيّ للمتعلّمين بشكلٍ متكامل. وهنا نفهم مثلًا قلقَ "المعهد الملكيّ البريطانيّ لطبّ الأطفال والصحّة" من الإقفال الطويل للمدارس وانعكاسِه السلبيّ على نموّ الأطفال في هذه الظروف.[9] وفي المقابل، نرى أنّ مَن كان ينظِّر لفُرص تطوير النظام التربويّ في ظلّ كورونا، عبر التحوّل الرقميّ، قد كان هو مَن "يحمل السلّمَ" التعليميَّ بالعرض، وأحيانًا بتكاليفَ عاليةٍ، وبصفقاتٍ يحوم حولها الشكُّ والريبةُ والمحسوبيّاتُ الضيّقة والانتفاعاتُ الشخصيّة (كما هي الحال مع الإدارة السابقة للمركز التربويّ للبحوث والإنماء في لبنان).

***

التعليم في زمن كورونا أظهر كلَّ مواجع النظام التعليميّ وحاجاتِه وإلزاماتِ تطويره. وأظهر ضرورةَ نفض السلّم التعليميّ، بمكوّناته كافّةً، نفضةً عارمة. ولكنّ هذه الحاجات المشروعة للتطوير التربوي المُلحّ لا تعني البتّةَ "حملَ السلّم بالعرض،" أيْ نفضَ اليد من كلِّ ما هو قائمٌ، وعدمَ تقديم البديل. فإنْ كان لدينا سلّمٌ تعليميُّ لا يعمل كما هو مرتجًى، فحريٌّ بنا أن لا نُفقده درجاتِه هباءً.

والدرجات المفقودة في السلّم التعليميّ هي الأعوامُ الدراسيّةُ التي تضيع بأيّامها الناقصة، وحصصِها السائبة، وتقويمِها الخادع. وهي حاصلُ التعلّم الذي لم يبلغْ مستواه المعهودَ، وحاصلُ التسرّب المقنَّع، وضياعِ الجهود، ومأزقِ التعليم الفعليّ والتعلّم الواقعيّ في العالم الرقميّ والفضاء الافتراضيّ.

الدرجات المفقودة في السلّم التعليميّ في زمن كورونا أشدُّ وطأةً من المناعة المفقودة إزاء كورونا. فالمناعة يمكن استعادتُها أو إعادةُ بنائها، بينما الصعودُ على درجاتٍ مفقودةٍ أمرٌ مُحال!

بيروت

 


[1] شبل بدران، نُظُم التعليم في دول العالم (بيروت: دار الكتب الحديثة، 2010).

[2] المصدر السابق.

[3] منظمة اليونيسكو، تقرير عن برنامج التعليم في العالم العربيّ 2016.

[4] إبراهيم هلّون ووسيم الزبير، نحو إصلاح حقيقيّ للتربية في لبنان، 2019.

[5] اليونيسكو، مصدر مذكور سابقًا.

[6] هلّون وآخرون، مصدر سبق ذكرُه.

[7] منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التقرير الدوريّ لعام 2015.

[8] خطّة الأمم المتحدة 2030 للتنمية المستدامة، الهدف الرابع (تمْكنكم مراجعتُه على موقع المنظّمة)

[9]Royal College of Paediatrics and Child Health, Supporting Members and Children During Covid-19https://www.rcpch.ac.uk/sites/default/files/2020-09/supporting-members-and-children-during-covid-19-our-impact-20200911.pdf

علي خليفة

أستاذ في كلية التربية - الجامعة اللبنانية. له أبحاث في مجال التربية والمواطنيّة وشؤون المجتمع المدنيّ، ومنشورات في دوريات علميّة، وكتب منها: وطن بلا مواطنين (2009) وأبناء الطوائف (2007).