بين السياسة والتربية: قبل "الصفقة" وبعدها
04-02-2020

 

ماذا كان لدى العدوّ، قبل "صفقة القرن،" من اتجاهاتٍ تربويّة؟

تقول دراسةٌ لمحمّد فوزي عبد المقصود [1] عن الفكر التربويّ المعاصر في "إسرائيل" إنّ هذا الفكر يتمحور حول التربية من أجل الاستيطان، والعمل، والتماسكِ الاجتماعيّ، وتحقيقِ الأمن القوميّ، والخدمةِ العسكريّة في "جيش الدفاع" كواجبٍ مقدّس، وإذكاءِ "الحسّ اليهوديّ" بضرورة الهجرة، وتثبيتِ الوعي القوميّ بالحقّ التاريخيّ "للشعب اليهوديّ في أرض الميعاد." وتستند هذه المجالاتُ إلى عناصرَ إيديولوجيّة، محورُها: الصهيونيةُ وأدبيّاتُها، والنصوصُ الدينيّةُ اليهوديّة المستمدّة من العهد القديم والتلمود، والتاريخُ اليهوديّ الطويل بقراءته الهادفة إلى تخطّي المعاناة والاضطهاد من أجل تمجيد "البطولة اليهوديّة."

إذًا، قبل "الصفقة،" كانت التربيةُ في الكيان الصهيونيّ مرآةَ العمل السياسيّ وحاضنتَه وأداتَه. وبقي الوضعُ على حاله حتى اليوم.

وفي المقابل، ماذا كان لدينا نحن العرب، نحن اللبنانيين، أصحاب الحقّ والأرض والقضيّة، من اتجاهاتٍ تربويّةٍ قبل "الصفقة"؟

في مناهج التعليم في لبنان، على سبيل المثال، "نُكِبت" القضيّةُ الفلسطينيّةُ على يد المسؤولين السياسيين والمقرِِّرين التربويين، وعلى صورة نكبة فلسطين - - أرضًا وناسًا. فأصبحت المَحاورُ والفصولُ التي تتطرّق إلى القضيّة الفلسطينيّة في المنهج التعليميّ والكتب المدرسيّة شتاتًا متناثرًا: فقد جرى تعليقُ "محور القضيّة الفلسطينيّة" في منهج التاريخ لسنوات؛ وغاب التطرّقُ إلى مجريات الصراع العربيّ - الإسرائيليّ كليًّا؛ وانعدم بثُّ روح المقاومة بشتّى أشكالها في كافّة حالات المنهج.

وعلى عكس البيانات الرسميّة للحكومات المتعاقبة التي ناصبت الكيانَ الصهيونيّ العداءَ، وحثّتْ على مقاومته بكافّة الأشكال المتاحة، تفنّن "المركزُ التربويّ" على مدى سنوات في اختلاق أيّ غطاءٍ ممكنٍ لمنع تعليم القضيّة الفلسطينيّة وخطرِ الحركة الصهيونيّة، وذلك تحت حجّة "التخفيف." وكان "المركز التربويّ" يبرّر ذلك بوجود "العديد من الملاحظات" القادمة "من جهاتٍ رسميّةٍ وخاصّة" - -  ما يمكن أن يَطرحَ، في رأيه، "إشكاليّةً في المجتمع اللبنانيّ" مرتبطةً بقراءة الصراع الداخليّ اللبنانيّ أثناء الحرب الأهليّة - - وبعدمِ وجود "سرديّةٍ متّفقٍ عليها وطنيًّا."

وقد أدّى ذلك "التخفيفُ" إلى طمس عناصر الوعي السياسيّ لدى أجيالٍ من المتعلّمين حيال القضيّة الفلسطينيّة، ومقاومةِ الاحتلال، ومناهضةِ التطبيع مع "إسرائيل". فغدا كثيرٌ من أبنائنا وبناتنا بلا ذاكرةٍ تاريخيّةٍ، وبلا معرفةٍ هادفةٍ إلى تشكيل اتجاهاتهم وتحديدِ مواقفهم وسلوكاتهم المنتظرة من هذه الأمور.

***

والآن، ماذا بعد "صفقة القرن"؟

هل تُفرِد السياسةُ مساحةَ اهتمامٍ تربويّ للتصدّي بشكل جذريّ لخطر الصهيونيّة ولدعم المقاومة؟

ما يمكن الحسمُ فيه هو أنّ النظامَ السياسيّ يعكس توقّعاتِه في المناهج، أكان هذا النظامُ ديمقراطيًّا أمْ سلطويًّا، وذلك بواسطةِ ما يجري تقديمُه من أهدافٍ ومحتوًى وطرائقِ تدريسٍ ونشاطاتٍ صفّيّةٍ أو لاصفّيّة؛ إضافةً إلى التركيز على القيم والمواقف "المطلوبة،" وتصويرِها بأنّها "الأفضل." [2]

وعليه، ينبغي أن يَضبطَ النظامُ التربويّ في لبنان أطرَه وآليّاتِ عمله على صورةِ ما طرأ على المشهد السياسيّ من مستجدّاتٍ فَرضتْ نفسَها، لا سيّما بعد تحرير معظم الأراضي اللبنانيّة من الاحتلال الإسرائيليّ عام 2000.

ولكنْ ما يجدر العملُ على تعزيزه، بشكلٍ خاصّ، هو الإعدادُ لسياسة تربويّة مُلزِمة لمراكز القرار التربويّ وللمشتغلين على تطوير المناهج. تنطلق هذه السياسةُ التربويّة المقترحة من تبنّي الخطاب السياسيّ القائم على العداء للكيان الصهيونيّ، والحثّ على مقاومته بكافّة الأشكال المتاحة، وتعميمِ الحظر الذي فرضه قانونُ مقاطعة "إسرائيل" (1955)، لا سيّما في بعض التعاملات التي يتسلّل منها التطبيعُ - - في التعلّم التفاعليّ مثلًا، أو في الجغرافيا الطبيعيّة والسياسيّة وما تستخدمه من موارد (خرائط، منصّات إلكترونيّة،...)، وما يأتي من المناهج الأجنبيّة المعتمدة في بعض المدارس الخاصّة في لبنان. [3]

وبشكل عمليّ، تنبغي المواظبةُ على لحظ "محور القضيّة الفلسطينيّة" في منهج التاريخ في الامتحانات الرسميّة، نظرًا إلى الاهتمام الذي يوليه المتعلّمون للتقويم. وينبغي عدمُ شمول "التخفيف" (الذي يطاول بعضَ دروس منهج التربية الوطنيّة والتنشئة المدنيّة) الدروسَ المتعلّقةَ بوعي الخطر الصهيونيّ على لبنان ومطامعِ "إسرائيل" واعتداءاتها المتكرّرة. كما تجب متابعةُ تطبيق القرارات والتعاميم التي تنصّ على منعِ ما تحتويه الكتبُ (اللبنانيّةُ أو المستورَدة) من إشارةٍ إلى "إسرائيل" بالاسم (بدلًا من الكيان الصهيونيّ أو الغاصب...).

ولا ينبغي أن تقتصر الخطواتُ المتعلّقةُ بالسياسة التربويّة على المناهج وما تحتويه، بل عليها أن تتعدّاها إلى الأنشطة اللاصفّيّة، وذلك من خلال الحثّ على توجيه برنامج "خدمة المجتمع" نحو المخيّمات الفلسطينيّة، والقيام بحملات مناصرة قضيّة تحرير فلسطين وسائر الأراضي العربيّة المحتلّة، ومناهضة التطبيع مع "إسرائيل."

في هذا الزمن، الذي أصبحتْ فيه تصفيةُ القضيّة الفلسطينيّة في صلب سياسة الهيمنة والنفوذ وتطويعِ إرادات الشعوب الحرّة ومصادرةِ مقدِّراتها، تنبغي المبادرةُ فورًا إلى تبنّي أجندةٍ سياسيّةٍ توجِِّه الصفعةَ تلو الصفعة إلى "الصفقة" - - سواءٌ بالموقف الوطنيّ الواضح، أو بالجهد المبذول لتثبيت المقاومة وتعميمِها كفعلٍ مشروع، أو بالتربية لتصبح الأجيالُ الجديدةُ في صدارة المواجهة لتحقيق وعود التحرّر الوطنيّ.

بيروت

 

[1] د. محمد فوزي عبد المقصود، اتجاهات الفكر التربويّ المعاصر في إسرائيل: التحدّيات وسبل المواجهة (دار الكتب العربيّة للنشر، 2014).

[2] نمر فريحة، التربية الوطنيّة: منهاجُها وطرائقُ تدريسها (بيروت: دار الفكر اللبنانيّ، 2006).

[3] راجع ورقة د. ليلى شمس الدين في هذا العدد من الآداب.

علي خليفة

أستاذ في كلية التربية - الجامعة اللبنانية. له أبحاث في مجال التربية والمواطنيّة وشؤون المجتمع المدنيّ، ومنشورات في دوريات علميّة، وكتب منها: وطن بلا مواطنين (2009) وأبناء الطوائف (2007).