المِرْياع المصري وقطيع الانتخابات الفلسطينيّة
05-02-2021

 

يسعى نظامُ الجنرال عبد الفتّاح السيسي إلى تحقيق إنجازٍ سياسيّ مهمّ يعْرضه أمام الإدارة الأمريكيّة الجديدة من خلال إثبات مقدرته على تدجين الفصائل الفلسطينيّة وجلبِها إلى قاهرةِ المُعِزّ حتى تدخلَ في زواريب "الانتخابات" من جديد وفق معايير أوروبيّة وأمريكيّة وصهيونيّة أوضح من ذي قبل. فالراعي أو المِرْياع المصريّ ليس خروفًا عاديًّا في قطيع النظام العربيّ الرجعيّ، بل يُشَكّل - مع أنظمة آل سعود والأردن والإمارات - رأسَ حربة معسكر التطبيع، وسيوظِّف "الورقةَ الفلسطينيّةَ" (كما فعل من قبله حسني مبارك) في خدمة المصالح الإمبرياليّة والصهيونيّة، ولانتزاع المزيد من التنازلات الفلسطينيّة. وقد "يضطرّ" في سبيل ذلك إلى تهديد الشعب الفلسطينيّ وحصارِه واستخدامِ "فزّاعة دحلان" -- فهذه طريقتُه المُثلى في إدارة "الملفّ الفلسطينيّ" منذ انقلاب السادات، وبغضّ النظر عن اسم الفرعون الجديد في مصر أو الساكنِ الجديدِ في البيت الأبيض؛ فما يَحْكم العلاقةَ بينهما هو رضى الكيان الصهيونيّ لا غير.

***

لا يتغيّر جوهرُ نظام كامب ديفيد ولا يتبدّل. لا يكترث لاسم الرئيس الأمريكيّ الجديد؛ فكُلُّ الرؤساء الأميركيّين، منذ كارتر، هم في نهاية المطاف أسيادُه وأولياءُ نعمته. وسيقوم هذا النظامُ بدوره الوظيفيّ والأمنيّ في المنطقة، ويتكيّف مع سياسات السيّد الجديد وشروطِ صندوق النقد. المهمّ أن يرضى عنه راعي البقر وكلبُه الإسرائيليّ في المنطقة.

كان هذا دورَ النظام المصريّ المُعلن منذ العام 1979 مع توقيع معاهدة "السلام" المصريّة-الإسرائيلية، بيْد أنّه زاد استنقاعًا في وحل التبعيّة والهزيمة: من دوره في حماية الكيان الصهيونيّ، إلى دعمه لأنظمة النفط، فتشجيعِه اليمينَ الفلسطينيَّ على تقديم المزيد من التنازلات لصالح العدوّ، وشيطنتِه للمقاومة في المنطقة، وقيادتِه القطيعَ نحو مستنقع الاستسلام. كلُّ ذلك وغيرُه يندرج في إطار الدور المنوط بالنظام المصريّ في الاستراتيجيّة الأمريكيّة. وبذلك فقط يَضمن محاسيبُ رأس المال في القاهرة تدفُّقَ ثرواتهم وحمايةَ امتيازاتهم وأمنَ نظامهم. فالولايات المتحدة لا تقدِّم 3 مليارات دولار سنويًّا إلى النظام وجنرالاته، هكذا، لله، تبرّعًا وصَدَقةً!

***

هذا ويقوم النظامُ المصريُّ بدور "المِرْياع الكبير" مع القطيع. 

فما هو المِرْياع؟

المِرياع خروفٌ صغيرٌ يُبعده الراعي عن أمّه فورَ ولادته، ويُسْلِمُه إلى حمارةٍ تتولّى رضاعتَه، فتصبح هذه الحمارةُ مرجعيّتَه الأبديّةَ، لا يفارقُها أبدًا. ويقوم الراعي على تسمينه وعلفه جيّدًا، ثم يعمَد إلى تزيينه بالأقراط والأجراس، ويزركشُه بالألوان والخِرق البالية حتى يميّزَه من بقيّة القطيع ويعزِّزَ هالتَه وحضورَه في المزرعة، ولا يَجزُّ صُوفَه مثلًا، ثمّ يتركه يرعى على دلاله، حتى يصبحَ أكبرَ رأسٍ في القطيع.

وهكذا يصير المرياعُ هو القائدَ والزعيمَ الأوّل.

والمرياع لا وظيفةَ له إلّا قيادة الخراف من دون أن يدري. فإذا مشى الراعي، سحب الحمارَ، ومشى المرياعُ الكبيرُ، وقُرعت أجراسُه، فسار القطيعُ خلفه، لا يهمّ إلى أين: أإلى مزرعة... أمْ إلى مزبلة!

الجدير ذكرُه أنّ علاقةً وطيدةً ومميّزةً تنشأ بين المرياع الكبير وبين الكلب - الحارس - الذي يحمي سيْرَ الخِراف ويضمن خضوعَها وانصياعَها. فإذا شَذّتْ شاةٌ أو تمرّدتْ سخلةٌ صغيرةٌ، طاردها كلبُ الراعي وعنّفها وأعادها إلى طريق الطاعة والخضوع.

***

نظام السيسي، كما هو معروف، نظامٌ قمعيّ، مُستبدّ، يتّكئ إلى طبقة هجينة من هوامير المصارف والقطاع الخاصّ وجنرالاتِ الجيش، ويعتقل عشراتِ آلاف من زهرات مصر وشبابِها، ويبيع النظامَ السعوديّ جُزرًا مصريّةً، ويرهن القطاعَ العامَّ، ويقامر بالنيل، ويسوِّق لـ"صفقة القرن،" ويحاصر شعبَنا في قطاع غزّة مغلقًا بوّابةَ رفح.

لا يمْكن نظامًا كهذا، قابعًا في جيب أمريكا و"إسرائيل،" أن ينتصرَ للحقوق الوطنيّة الفلسطينيّة. فمَن لا خيرَ فيه لشعب مصر وحقوقِه وكرامته، لا خيرَ فيه لشعب فلسطين وحقوقِه وكرامته. والعكس صحيح.

 

نظام السيسي يسوِّق لـ"صفقة القرن" ويحاصر شعبَنا في قطاع غزّة مغلقًا بوّابةَ رفح

***

وإذ يُسوِّق اليمينُ المصريّ نفسَه باعتباره قد حقّق "إنجازًا كبيرًا" باستضافته "حوارَ الفصائل الفلسطينيّة،" فإنّ اليمينَ الفلسطينيّ، المنقسمَ على نفسه، يريد تجديدَ شرعيّته المفقودة (والزائفةِ أصلًا) عبر ما يُسمّى "الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة" و"تجديد النظام السياسيّ الفلسطينيّ."

هكذا يتكئ المهزومُ على المهزوم، وتلتقي المصالحُ الطبقيّة والسياسيّة في بازار "المصالحة" و"الانتخابات."

وبالمناسبة، فإنّ ما يفعله نظامُ السيسي مع الفصائل الفلسطينيّة يفعله أيضًا مع القبائل الليبيّة و"الأطراف" السوريّة و"القوى" السودانيّة وغيرها.

***

المطلوب من قوى المقاومة الفلسطينيّة والعربيّة على اختلاف ألوانها وتيّاراتها، ومن الحركة الوطنيّة المصريّة بشكلٍ خاصّ، أن تتحمّلَ مسؤوليّاتِها السياسيّةَ والقوميّةَ والأخلاقيّة، وأن تفكّرَ معًا في تجنّب هذا الطريق المحفوف بالألغام والمخاطر، في ظلّ سياسات نظام الجنرال السيسي، الذي ترعاه قوًى صهيونيّة وأمريكيّة وسعوديّةٌ وإماراتيّة. وبذلك تكون المقاومةُ يقظةً وموحّدةً، ولا تدخل حظيرةَ الأنظمة.

صار لا بدّ من علاقةٍ بديلةٍ بين فلسطين ومصر: علاقةٍ لا تخضع للابتزاز، ولا للّحظة الراهنة وضغوطِها؛ علاقةٍ تُعزِّز المصيرَ المشتركَ بين الشعبيْن المصريّ والفلسطينيّ في مواجهة الإمبرياليّة والصهيونيّة وقوى النهب، لا علاقةٍ بين سلطةٍ مصريّةٍ قمعيّةٍ غيرِ شرعيّة وسلطةٍ فلسطينيّةٍ قمعيّةٍ غيرِ شرعيّة!

آخرُ ما يريده معسكرُ العدوّ (والنظامُ المصريّ وجماعةُ أوسلو جزءٌ لا يتجزّأ منه) هو تحقيقُ الديمقراطيّة والوحدة للشعب الفلسطينيّ. فلا ديموقراطيّة تحت حِراب الاستعمار والاحتلال، ولا وحدة وطنيّة في إطار سلطة حكمٍ ذاتيّ تخلّت عن 78% من فلسطين وعن اللاجئين وحقّ العودة من أجل مكتسباتٍ فرديّةٍ وطبقيّة.

هذا المعسكر المعادي للشعبيْن المصريّ والفلسطينيّ، ولمختلف أبناء الشعب العربيّ وبناته، ليس إلّا وصفةً للشرذمة والضعف والتبعيّة. ونظامُ المِرْياع-القطيع هذا يتجسّد واقعًا في تراتبيّة طبقيّةٍ وسياسيّةٍ واضحة: يَحكُم راعي البقر الأمريكيّ وكلبُه قرارَ المنطقة، فينصاعُ المِرياعُ الذي سُمِّن برضاعة النفط من ثدي براميل الخليج وقد كبر رأسُه وتضخّم.

في نهاية المطاف، نحن أمام "سلطةٍ" من القطعان الخاضعة، التي تحفظ أمنَها وبقاءَها أمريكا وأوروبا و"إسرائيل."

مونريال

خالد بركات

كاتب عربيّ من فلسطين المحتلّة ويقيم في الخارج.