تحوّلات حركة النهضة في تونس
01-05-2019

 

أعلن رئيسُ "حركة النهضة" التونسيّة الشيخ راشد الغنوشي، في خطابٍ ألقاه أثناء اختتام أشغال المؤتمر العاشر لحزبه، في 23/5/2016، عن مبدأ جديد سيقوم عليه عملُ الحزب الإسلاميّ الأكبر في تونس، ويقضي بالفصل بين الجانبين الدعويّ والسياسيّ في نشاطاته. وسريعًا ما تناقلتْ وسائلُ الإعلام المحلّيّة والأجنبيّة هذا النبأَ باهتمام، واعتبرتْه تحوّلًا دراماتيكيًّا في البنية الإيديولوجيّة لواحدةٍ من أهمّ حركات الإسلام السياسيّ في العالم العربيّ؛ ففكُّ الارتباط بين الدين والسياسة هو جوهرُ الفكر العَلمانيّ. كما تساءل بعضُ المحلّلين السياسيين: هل تخلّتْ حركةُ النهضة عن مرجعيّتها الإسلاميّة، وصارت تتبنّى الخطابَ العلمانيّ علنًا، على غرار حزب العدالة والتنمية في تركيا؟!

 

براغماتيّة حركة النهضة

كان الفصل بين الجانبين السياسيّ والدعويّ في عمل الحركة الإسلاميّة التونسيّة هو آخرَ عُروةٍ انتقضها الغنوشي من عُرى "الإسلام السياسيّ." فالرجل، الذي قاد حركةَ النهضة أكثرَ من أربعين عامًا، أجرى طوال تلك السنين مجموعةً من المراجعات الجريئة في مواقفه الإسلاميّة القديمة.

وكان التطوّرُ قد تبدّى في تفكيره منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وظهر خاصّةً في موقفه القابل بقوانين مجلّة الأحوال الشخصيّة التي صدرتْ في 13/8/1956، في بداية حكم الرئيس الحبيب بورقيبة، ومُنحت النساءُ التونسيّاتُ بموجبه حقوقًا تتعارض مع التشريع الإسلاميّ، كمنع تعدّد الزوجات. ثمّ إنّ الغنوشي، أثناء سنوات نفيه من تونس، وإقامتِه الطويلة في بريطانيا، أعاد صياغةَ أفكاره الإسلاميّة من جديد لكيْ تكون أكثرَ انسجامًا مع بعض مبادئ الميثاق العالميّ لحقوق الإنسان؛ فقَبِل بمبدأ المساواة بين الجنسين، وبمبدأ حريّة المعتقد. بل إنّ الرجل مضى شوطًا جديدًا في تحوّلاته، عندما قبل بعدم الاحتكام إلى قوانين الشريعة الإسلاميّة وحدودِها وضوابطها الصارمة.[1]

أثارت التغيّراتُ في مواقف زعيم الإسلاميين التونسيين لغطًا حوله. وانقسم المفسِّرون لها إلى فريقين:

- فريق يَعتبر أنّ هذه التحولات الفكريّة مسألة طبيعيّة، وهي جاءت نتيجةً لنضجٍ سياسيّ، وتمعُّنٍ في فقه الواقع وأحواله ومتغيّراته.

- وفريق اعتبر أنّ تحوّلات الغنوشي ليست إلّا مناوراتٍ، وتراجعاتٍ تكتيكيّةً، اضطرّتْه إليها، في بادئ الأمر، ظروفُ المواجهة مع نظام زين العابدين بن علي، ومساعي الإسلاميين إلى تجميع صفوف قوى المعارضة التونسيّة المشرذمة من حولهم، عبر تبنّي مواقفَ جامعةٍ تساهم في تشكيل هيئةٍ معارضةٍ واسعةٍ تضمّ مختلفَ الأطياف التونسيّة، بمن فيهم خصومُ الإسلاميين الإيديولوجيون. وبالفعل، تشكّلتْ هذه الهيئةُ في 24/12/2005، واتّخذتْ اسم "هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريّات،" وكانت حركةُ النهضة أحدَ الأطراف الموقّعة على بيانها التأسيسيّ.

 

كان الفصل بين الجانبين السياسيّ والدعويّ هو آخرَ عُروةٍ انتقضها الغنوشي من عُرى "الإسلام السياسيّ"

 

تحدّياتُ الحكم

حصل المُنعرجُ الحاسم في مسيرة حركة النهضة وتفكيرها بعد سقوط نظام بن علي في 14/1/2014. فقد عاد المنفيّون الإسلاميّون، وعلى رأسهم الغنوشي، إلى وطنهم، وتمّ العفوُ التشريعيُّ العامّ عن السجناء السياسيين، وطُويتْ صفحةٌ طويلةٌ من الاستبداد والقمع، وتبدّل المناخُ السياسيّ في تونس تبدّلًا جذريًّا. ثمّ وصل التحوّلُ في مسار الحركة الإسلاميّة التونسيّة إلى ذروته بعد الفوز الكبير الذي ناله مرشَّحوها في انتخابات المجلس التأسيسيّ التي أُجريتْ في 23/10/2011. وبعد نجاح حركة النهضة في الوصول إلى الحكم لأوّل مرّة في تاريخها، كان عليها أنْ تواجهَ تحدّياتٍ جسيمةً في تسيير السياسة الداخليّة والخارجيّة للدولة التونسيّة. يومئذ، أدرك الإسلاميّون أنّ الشعارات الرنّانة، من قبيل "الإسلام هو الحلّ،" لا تمنع تدهورَ الاقتصاد وانحدارَ الموازنة الماليّة، ولا تلبّي حاجاتِ الطبقات الاجتماعيّة المتصارعة، ولا توقفُ حملاتِ الإعلام ضدَّ الحكومة، ولا تسدُّ الطريقَ أمام إرهاب التكفيريين، ولا تحدّ من مزايدات السلفيين أو ضغوط النقابات أو مناورات الأحزاب والسياسيين. وكذلك بدأت الأفكارُ الساذجة القديمة عن "الحلّ الإسلاميّ" تتبدّل بفعل نزولها من عالم المثاليّات، واحتكاكها بالواقع.

إزاء هذه التحدّيات الجديدة والكبيرة، اختارت قيادةُ حركة النهضة أن تغيّر في شكل خطابها لعلّها تسترضي بذلك بقيّةَ فئات المجتمع التونسيّ، لا سيّما الفريق العلمانيّ المتنفّذ. ووصل "الخطابُ المتسامح" بالشيخ الغنوشي حدودًا جعلته يتساهل مع جميع الخصوم، بمن فيهم الملحِدون ولابساتُ "البيكيني" والمثليّون. ثمّ تَوّج الرجلُ خطواتِه البراغماتيّة بتحالفٍ سياسيٍّ مع أعدائه البورقيبيين القدامى، فتوافق مع زعيمهم الرئيس الباجي قايد السبسي على تشكيل حكومةِ وحدةٍ وطنيّةٍ تدير الحكمَ في البلاد.

 

نزيفُ الإسلاميين التونسيين

أحدثتْ كلُّ هذه التحوّلات في أفكار قيادات الإسلاميين التونسيين بلبلةً في صفوف أنصارهم وقواعدهم. وتصيّد السلفيّون فرصةَ إعلان الغنوشي عن الفصل بين الجانبين الدعويّ والسياسيّ في عمل حزبه لكي يعايروا الرجلَ، وليروّجوا أنّه تخلّى عن الإسلام وتبنّى "اللائكيّة." وحاول الغنوشي أن يَدفع عنه هذا الالتباسَ، فوضّح موقفَ حركته، قائلًا: "فلسفيًّا، ليس هناك فصلٌ بين الدين والدنيا. ولكنّ كونَ الإسلام رسالةً شاملةً لا يعني أنّ الأدوات التي تخدمه ينبغي أن تكون أيضًا شاملةً. فشموليّةُ الفكرة لا تعني شموليّةَ التنظيم."[2]

ثمّ أعاد الغنوشي تأكيدَ هذا المعنى في مقابلة صحافيّة مع مجلة ليدرز، أجراها معه أحميدة النيفر، زميلُه السابق في "الجماعة الإسلاميّة" (المسمّى الأوّل لِما صار يُعرف اليوم بحركة النهضة)، فقال: "إنّ العلمانيّة مرجعيّةٌ أخرى مختلفة عن شموليّة الإسلام." وأضاف: "إنّ الفكرة الإسلاميّة شاملة، لها أوعيتُها وأدواتُها التي تخدم الإسلام، ويمكن لهذه الأدوات أن تتعدّد." والظاهر أنّ زعيمَ حركة النهضة استقى أطروحتَه، التي تفصل بين الجانبين الدعويّ والسياسيّ، من كتاب الدين والسياسة: تمييز لا فصل، الذي ألّفه د. سعد الدين العثماني، رئيسُ الحكومة المغربيّة الحاليّ.

بيْد أنّ التململ في استقبال سياسة حركة النهضة الجديدة كشف عن حالة من عدم الرضى عن تحوّلات الغنوشي لدى كثير من الإسلاميين التونسيين. وظهر هذا التململُ جليًّا في العزوف عن انتخاب مرشّحي "النهضة" في الانتخابات البلديّة التي نُظّمتْ سنة 2018، ففقدت الحركةُ الإسلاميّة التونسيّة قرابة ثمانمئة ألف ناخب كانوا قد صوّتوا لقوائمها في انتخابات 2011. كما تجلّى التذمّرُ من التحوّلات الجديدة في سياسة الإسلاميين عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، فتزايدت المنشوراتُ المندِّدة بـ"التخلّي" عن الدعوة الإسلاميّة وفكِّ انتماء الحركة بمرجعيّتها الدينيّة. وحاول الغنوشي أن يوقف هذا النزيفَ في شعبيّة الحركة، فأخذ يشرح، أمام مؤتمرها العاشر، محطّاتِ التطوّر السياسيّ في مسيرتها منذ نشوئها، فقال:

"إنّ حركة النهضة حركة لم تتوقّف عن التطوّر خلال مسيراتها الطويلة. لقد تطوّرت الحركة من السبعينيّات إلى اليوم، من حركة عقائديّة تخوض معركةً من أجل الهويّة، إلى حركة احتجاجيّة شاملة في مواجهة نظامٍ شموليّ دكتاتوريّ، إلى حزب ديمقراطيّ وطنيّ متفرّغ للعمل السياسيّ بمرجعيّة وطنيّة تنهل من قيم الإسلام."[3]

 

لقد تطوّرت حركة النهضة من السبعينيّات إلى اليوم، من حركة عقائديّة، إلى حركة احتجاجيّة شاملة

 

كما حرص القيّمون على أشغال المؤتمر على إبراز الطابع الإسلاميّ في أدبيّاتهم. ونصّ البيان الختاميّ على الآتي:

"المرجعيّة الإسلاميّة للحزب هي مرجعيّة قائمة على ثوابت الدين ومقاصده وقيمِه العليا، باعتبارها أساسًا يعود إليه الحزبُ في بناء تصوّراته واختياراته السياسيّة والمجتمعيّة، وفي مجمل الأطروحات التي يقدّمها، والبرامج التي يقترحها. وبهذا المعنى لا يحوِّل الفصلُ، بين الجانبين السياسيّ والدعويّ، الحركةَ إلى كيانين منفصلين. وإنّما الفصل تطوّرٌ طبيعيّ نحو التخصّص بين العمل الحزبيّ والعمل المجتمعيّ وفق ما يقتضيه القانونُ واختلافُ طبيعة المجالين."[4]

 

خاتمة

يبدو جليًّا أنّ حركة النهضة تشهد بوادرَ انقسام عموديّ في صفوفها. فهناك فريقٌ منها ما زال متشبّثًا بمرجعيّاته الأصوليّة، ومتخوّفًا من التفريط في عقيدة التنظيم ومبادئه. وهنالك فريقٌ ثانٍ يتطلّع إلى أنْ يكون خطابُ الحركة أكثرَ حداثةً، وأوسعَ أفقًا، وألينَ أسلوبًا. ويتمثّل المأزقُ الحاليّ لقيادة حركة النهضة في كيفيّة موازنتها بين الصبغة الإسلاميّة التي تربّى عليها جمهورُها الأصوليّ، والصورةِ الحداثيّة التي ترغب في أنْ تكتسبَها وتكرّسَها في داخل البلاد وخارجها. وفي السنوات الأخيرة، ظهر للمتابعين لشؤون الحركات الإسلامية أنّ حركة النهضة تحاول جاهدةً الانعتاقَ من "جلبابها الإخوانيّ القديم،" وتتطلّع إلى أنماطٍ وتجاربَ أخرى في السياسة والتفكير والتخطيط. لكنّ مشكلتها أنّها لا تزال حائرةً بين خيارين متنافرين:

- فهي، من جهة، ترنو إلى السير في مسارٍ تقدميّ فهمَ قادتُها منافعَه ومكاسبًه.

- وهناك، من جهةٍ ثانية، خشيةٌ حقيقيّةٌ من أن تخسر جزءًا غيرَ يسيرٍ من قواعدها المحافظة؛ فيهم أيضًا قياداتٌ أسّست الحركة، وترأّستْها في فتراتٍ من تاريخها (مثل الصادق شورو، والحبيب اللوز)، وهؤلاء جميعًا متوجّسون من تغيير الخطاب الإسلاميّ التقليديّ الذي صار ينتهجه رئيسُ الحزب راشد الغنوشي.

لقد تغيّرتْ حركةُ النهضة، وشهدتْ مسيرتُها القصيرة منعرجاتٍ كثيرة. وبالمثل، فإنّ الوثائقَ الرسميّة للإسلاميين التونسيين وأدبيّاتِهم هي خيرُ شاهد على حجم التحوّلات التي بدّلتْ طابعَ الحركة الإسلاميّة في تونس في العقود الثلاثة الأخيرة. وحين كانت "النهضة" تسمّي نفسها "حركة الاتجاه الإسلاميّ" في ثمانينيّات القرن الماضي، عقد قادتُها، في كنف السريّة، مؤتمرَهم الرابع في ديسمبر 1986، وأنتجتْ نقاشاتُهم وثيقةً مرجعيةً للحركة أُطلق عليها اسم "الرؤية الفكريّة والأصوليّة لحركة الاتجاه الإسلامي،" وجاء في مستهلّها تصوّرُ الحركة الإسلاميّة التونسيّة لطبيعة عملها السياسيّ باعتباره جزءًا من الإسلام الشامل، فورد ما يأتي: "انطلاقًا من مبدأ التعامل الصادق والمسؤول مع ديننا الحنيف، واعتمادًا على مبدأ الشمول في فهم الإسلام، بشكلٍ لا يحصره في مجال العقائد والشعائر بل يتعدّاه ليشمل إلى جانب ذلك الحيّزَ الاجتماعيّ والسياسيّ والاقتصاديّ… ."[5] بعد ثلاثين عامًا، تغيّرت الرؤية الأصوليّة للتنظيم تمامًا، وبُدّل ميثاقُها الذي يعمل "في إطار الإسلام الجامع الشامل،" ليصبح مشروعُ حركة النهضة في مؤتمرها العاشر (20/5/ 2016) هو الدعوةَ إلى الفصل بين الجانبين الدعويّ والسياسيّ في عمل الحزب ونشاطه. لقد تبدّل كلّ شيء في حركة النهضة بشكلٍ دراميّ. فذلك الحزب الصغير الذي كان أعضاءُ قيادته المطاردون يعقدون اجتماعاتهم في منازل سريّة، وهم خائفون من أنْ يكتشف أمرَهم الرقباءُ، صار حزبًا حاكمًا في البلاد، يعقد مؤتمراتِه العامّة وسط حضور جماهيريّ ضخم. وذلك الحزب، الذي كانت تطارده أجهزة الأمن، صار جميعُ المسؤولين في الدولة يتشرّفون بالمشاركة في احتفالاته، بمن فيهم رئيسُ الجمهوريّة نفسُه.

ولم تقتصر التحوّلات على الجانب الشكليّ. فمن حيث المضمون، صار قادةُ الإسلاميين في تونس يسعوْن لكي يظهروا بصورةٍ تتماشى مع مفاهيم الليبراليّة الرائجة في العالم الغربيّ. بيدَ أنّ مفارقة "النهضويين" تتمثّل في أنّهم كلّما حظُوا باستحسانٍ قليلٍ من الغرب ونُخبه، زاد ذلك من نفور جمهورهم الإسلاميّ المحافظ وقلقه!

تونس

 

[1] انظر مقابلة راشد الغنوشي مع برنامج "ضيف المنتصف" في قناة "الجزيرة" القطريّة، بتاريخ 22/1/2011، والتّي عبّر فيها عن تأييده لـمجلّة الأحوال الشخصيّة التونسيّة باعتبارها اجتهادًا فقهيًّا إسلاميًّا، وأنّه لا يريد فرض الشريعة على أحد.

https://m.youtube.com/watch?feature=youtu.be&v=rJdX3W2TnVs

[2] ورد توضيح الغنوشي للموقف الذي أعلن فيه فصلَ الجانب الدعويّ عن السياسيّ في حزبه ضمن حوار أجرتْه معه جريدة الشروق التونسيّة، بتاريخ 20 مايو 2016.

[3] خطاب الغنوشي في المؤتمر العاشر لحركة النهضة، بتاريخ 23 مايو 2016.

[4] راجع وثيقة لائحة إدارة المشروع، ضمن وثائق المؤتمر العاشر لحركة النهضة.

[5] انظر مقدّمة الرؤية الفكريّة والمنهج الأصوليّ لحركة النهضة.
http://www.ennahdha.tn/

جعفر البكلي

أكاديميّ تونسيّ، وأستاذ اللغة والآداب العربيّة. باحث في الحضارة الإسلاميّة، وصحافيّ في جريدة الأخبار اللبنانيّة.