النسق المضمَر في قصيدة "الرعب والجنس" لمحمد الماغوط
09-07-2016

 

تنبسط الحركيّة البنيويّة في قصيدة "الرُّعب والجنس،" المنشورة في ديوان غرفة بملايين الجدران (1964)، على الشكل الآتي: من الخارج إلى الداخل، ومن العام إلى الخاصّ، ومن القبيح إلى الجميل. قال الماغوط في مطلع هذه القصيدة:

"عندما أكونُ وحيدةً

ومستلقيةً على النهدِ الذي يحبّهُ

يأتي إليَّ

زنِخًا كالقصّاب

وحيدًا كطائرٍ عُذِّب حتّى الموت

يعضُّني في فمي وشَعري وأذني

ويرفعني بين يديه عاليًا

كي أرى دموعَه من منابعها

لأرى ملايينَ القطارات المسافِرة

تلهث بين حاجبَيهِ الكثيفين."

يلاحظ المتلقّي، منذ بداية القصيدة، تلك الحركيّة المتناغمة بين حدَّي ثنائيّة: الرجل الغارق في الزنخ والوحدة والتعذيب (يأتي إليّ / زنخًا كالقصّاب / وحيدًا كطائرٍ عُذّب حتّى الموت)، والمرأة المحاصَرة أيضًا بالوحدة ولكنّها تمتلك عناصرَ الجذب والجمال (عندما أكون وحيدةً / ومستلقيةً على النهد الذي يحبُّه). هنا يتحقّق اللقاءُ المرجوُّ، معوِّضًا الطرفين من آلام التنائي والوحشة، ومقدّمًا لهما التوازنَ المأمول، والموئلَ الدافئ، والمنقذَ الجماليّ، في مواجهة الاغتراب الفادح الذي تبيّنه القراءةُ للوهلة الأولى. قال الماغوط:

"عندما أكونُ وحيدةً

وشهوتي تتمايلُ كورق النخيل

يأتي إليَّ

بحذائهِ الضيِّق

ومعطفِه المُموّج كالبحر

يُمرّر يدَه القذرة بين نهدَيّ

ثمّ يمضي ولا يعود."

وقال مُتابعًا أيضًا:

"وعندما يجوع

وتتّسخ ثيابُه منَ الحبر والكتابة

ولا يجدُ بيتًا أو شارعًا يأوي إليه

يأتي إليَّ

بطيئًا تحت الأشجار الجرداء

يُلوّحُ شهوتَه كالسلسلة بين إصبعيهِ."

وعلى هذا النحو تستمرّ حركيّةُ القصيدة في بناء مسارها المتمثِّل بنفور الطرفين من الفضاء الخارجيّ العام القبيح، ولجوئهما إلى الفضاء الداخليّ الخاصّ الجميل والحميم؛ ليكون كلّ منهما بمنزلة المعوِّض الوجوديّ ـــــــــ الجماليّ للآخر، ومعادِلًا موضوعيًّا للحريّة المفقودة في ذلك الفضاء العامّ.

هذا الأمر يتأكّد في المقطع الآتي، الذي يشير فيه الشاعر إلى الرعب، وتسلّخِ الجلد في المعتقلات، والغيوم المرفوعة كالأشرعة على رؤوس الحِراب:

"يقفُ ذليلًا على الباب

والدموعُ ترفرف في عينيهِ كالعصافير

يقفُ وحيدًا أمام العالَم

ليشقّ طريقهُ كالملّاح إلى سريري

في الظلمة؛

الظلمةِ العميقةِ الآسِنة

حيثُ الريحُ تزأر

والأشجارُ المبلَّلةُ تنوحُ كنسوةٍ مُغتصَبات.

يطوّقني بين ذراعيْه

وينغرسُ في لحمي كالصئبان.

يحدّثني عنِ الرعبِ وأوراقِ السروِ الخضراء،

عن تسلّخ الجلدِ في المُعتقلات،

وتساقطِ الشفاهِ في المغاسلِ؛

عن الصهيلِ القديمِ

والغيومِ المرفوعة كالأشرعةعلى رؤوس الحِراب."

ينبسطُ البُعد الأوّليّ للدلالة في هذه القصيدة ليكون نمطًا من الهروب من العالم الخارجيّ. وهو انبساطٌ يعكس النسقَ الثقافيّ الظاهر في هذا النصّ، حيث يتلمّس المُؤوِّل (بادئ ذي بدء) الحركيّة البنيويّة للقصيدة بوصفها انتقالًا من قمع السلطة في العالم الخارجيّ المحيط إلى الدفء والمتعة والارتواء الجنسيّ في العالم الداخليّ الذي يلجأ إليه الطرفان. لكنّ التعمّق في القراءة يحيلنا على ما هو أبعد من حدود هذا النسق الظاهر. وهذا ما نقبض عليه في قفلات المقاطع الثلاثة الأولى التي تُظهر حضورًا زائغًا للقلق، وتأرجحًا بالغًا يدلّ على أنّ اللقاءات كانت تفتقد إلى الاستقرار الأصيل بين الطرفين:

1 ـــ "لأرى ملايينَ القطارات المسافرة / تلهثُ بينَ حاجبيهِ الكثيفين."

2 ـــ "يُمرّر يدهُ القذرة بين نهدَيّ / ثمّ يمضي ولا يعود."

3 ـــ "يُلوّحُ شهوتَه كالسلسلة بين يديهِ."

من الواضح أنّ القارئ المؤوِّل يستطيع أن يلاحظ في هذا السياق وجودَ فجواتٍ في عمق البنية النسقيّة الظاهرة للقصيدة، وتفتّتُها من داخلها. هذه الفجوات تمدِّد دلالةَ القلق من ناحية، وتجعل من مسألة الهروب المُبتغى غيرَ ناجحة تمامًا من ناحية ثانية. بكلام آخر، ثمّة إشارات كثيرة تبيِّن أنّ فراقًا آنيًّا أو كلّيًّا يتربّص بالطرفين: فالقطارات تعني السفر في دلالتها المعجميّة المباشرة؛ فما بالنا إذا كانت تلهث بين الحاجبين، والرجلُ يمرِّر يدَه القذرة بين النهدين، ثُمّ يرحل ولا يعود، والشهوةُ تشبه السلسلةَ التي تقيّد أكثرَ ممّا تعني اللقاءَ أو الارتواءَ الجنسيّ الذي يُحرّر؟! ويبدو أنّ هذا المنحى يتجذّر دلاليًّا في المقطع الآتي الذي قال فيه الماغوط:

"آهٍ لو كانتِ الذكرياتُ تمشي!

طبقاتٌ كثيرةٌ من شفتي

ضاعَت في المباغي والملاعِق؛

أشياء كثيرة فقدتُها بلا معنى

(محارم، أزرار، حقول)

ولّاعات بشكل النجوم."

وأكمل قائلًا:

"الحياةُ مملّة كالمطر بلا ماء

كالحرب بلا صُراخٍ أو قتلى

فأَضحكُ كثيرًا

وأضمّهُ بينَ ذراعي... صغيرًا صغيرًا

أكاد أشربهُ كالنبيذ

ذلك الغريب الذي يصعدُ إلى صدري

كأنّني سفينةٌ أو قطار."

ثمّة إذًا ما يُؤرِّق الكائنيْن، أو يُفزعِ الجسدَين؛ فالفقدان يخيّم على القصيدة، ويمزّق اللقاءاتِ، محدِثًا انقطاعاتٍ دلاليّة لافتة. وإلّا، فكيف نفسّر الرغبةَ في أن تكون الذكريات كائناتٍ قادرةً على المشي سوى بأنّ الحضور الراهن لا يشفي ولا يعوِّض؟ كما أنّ الإشارة إلى إضاعة أشياء كثيرة باهظة، وأنّ الحياة مُملّة كالمطر بلا ماء، لا تخرج عن هذا السياق. فضلًا عن أنّ ذكر الحرب المفاجئ في المقطع الأخير يُرسّخ اختلالَ التوازن في العلاقة بين الجسدين، ويعمّق فكرةَ فقدان الاستقرار ومتطلّباته.

هكذا تقودنا هذه الثغراتُ الدلاليّة إلى مجاوزة القراءة لمستوى النسق الثقافيّ الظاهر نحو الغوص تأويليًّا في نسقٍ ثقافيّ مضمَر انطوت عليه البنيةُ الحركيّةُ للقصيدة، وهو الكبت الجنسيّ، أو بمعنًى أوضح: عجزُ الجسديْن عن بلوغ الارتواء الجنسيّ. ذلكَ أنّ مسار الهروب أو الانسحاب من الخارج إلى الداخل أخفق في خلق المُعادِل التعويضيّ المواجِه للرعب الذي تسبّبه السلطة في المستوى الخارجيّ العامّ؛ فالأنثى ـــ الجسد لم تستطع أن تقدّم للرجل ـــ الجسد بديلًا من القمع والخوف والذلّ، والعكس صحيح أيضًا. وهذا يدلُّ على أنّ ذلك الخارج الخطِر استطاع أن يقتحم الداخلَ المموَّهَ بالاطمئنان، وأن يخيّم على مناخاته ومآلاته. وهذا هو الأمر الذي يحسمه المقطعُ الأخيرُ من القصيدة، عندما تنقلب الحركيّة البنيويّة على نفسها انقلابًا كاملًا، وتنعكسُ ليصيرَ مسارها النهائيّ: من الداخل إلى الخارج، ومن الخاصّ إلى العامّ، ومن الجميل إلى القبيح:

"وعندما ينهمر المطرُ في الشوارع

وتمتلئ الأزقّةُ بالبؤس والأوحال

ينهض عن صدري

ويرفع كتفيهِ على شكل زورق... ويمضي."

إنّ فجواتِ التفتيت التي خلخلت البنية الحركيّة للقصيدة، ومهّدتْ للانتقال من مدارات النسق الظاهريّ إلى مدارات النسق المضمَر، قد حُسمَت دلالاتُها تمامًا إثر الحركيّة الانقلابيّة المضادّة التي بسطها المقطعُ الأخير. وهي المسألة التي فتحتْ بابَ التأويل على مصراعيه هنا، تأسيسًا على فكرة أنّه لا يوجد حبٌّ ولا تواصلٌ طبيعيٌّ بين جسدين ولا حياةٌ إنسانيّةٌ بأبسط أشكالها من دون مناخٍ وجوديٍّ حرّ. فما يسود في مجتمعات الاستبداد والقمع لا يسمح للارتواء الجنسيّ بأن يتحقّق إلّا ظاهريًّا!

ومحصّلة القول التأويليّ: إنَّ الذّكَرـــــــــ الفحل في هذه القصيدة واقعٌ تحت سطوة عقدة الخِصاء، وأنّ الأنثى ــــــــ الجمال واقعةٌ بدورها تحت سطوة عقدة الدونيّة. الذكر مقيّدٌ ومسحوقٌ وممتهَنٌ، والمرأة عاجزةٌ ومنتظرة بلا حولٍ ولا قوّةٍ ولا مبادرةٍ فاعلة. الذكر والأنثى أسيران للرعب والحرمان والتهديد الذي تمارسه سلطةُ الاستبداد، والقصيدة ـــ بإذعانها البنيويّ لحركيّة الخارج ــــ ترجئ الأحلامَ الفرديّة والكبرى إلى أجلٍ غير مسمّى.

سوريا

مازن أكثم سليمان

ناقد وشاعر من سوريا. حائز دكتوراه في الدِّراسات الأدبيّة من جامعة دمشق. صدر له ديوان قبلَ غزالة النَّوم (2006). كما أطلق بيانًا شعريًّا بعنوان الإعلان التخارجيّ (2015).