الرأسمالية: خطّ إنتاج دمًى قلقة ومضطربة
11-07-2021

 

عند دراستنا الظواهرَ النفسيّةَ المختلفة، فإنّنا غالبًا ما نتناولها بناءً على النموذج البيولوجيّ-النفسيّ-الاجتماعيّ. ذلك لأنّ احتكاكَنا بالبيئة، منذ لحظات تشكّل الجنين حتى الوفاة، عاملٌ مهمٌّ في تشكيل ذواتنا، خصوصًا في المجتمع الرأسماليّ، حيث يعيش الفردُ وسط صورٍ نمطيّةٍ وثقافةٍ مجتمعيّةٍ تفرض نفسَها عليه. ناهيكم بآثار الرأسماليّة على مستوى استغلاله اقتصاديًّا، وصولًا إلى التأثير في بنيته النفسيّة، إذ يخلق النظامُ الرأسماليُّ فردًا "مغتربًا عن نفسه" بحسب تعبير ماركس: ساعات عمل طويلة ومرهقة لا يجد الفردُ فيها وقتًا للتفاعل الاجتماعيّ، ولا للراحة الشخصيّة.

إنّ أحدَ العناصر المكوِّنة للشخصيّة هي المشاعر، كالفرح والحزن والألم والتعاطف مع الآخرين. ولكنّ البرجوازيّة، كنظامٍ اقتصاديٍّ واجتماعيٍّ مهيمِن، تعمل منذ صعودها على تحويل جزءٍ كبيرٍ من العلاقات العاطفيّة بين الناس إلى علاقاتٍ ماليّةٍ بحت. هكذا تقدّمت الحساباتُ الماليّةُ في الزواج على الحسابات العاطفيّة أحيانًا، وأصبحنا نتوجّه إلى التخصّص الأكاديميّ بما يملأ حسابَنا البنكيَّ بدلًا من الاهتمام بالثقافة الشخصيّة والتربية العامّة. البرجوازيّة، بكلمات ماركس وأنجلز، "نزعت الحجابَ العاطفيَّ عن الناس،"[1] فأصبحوا كالدُّمى في هذا المصنع الكبير، يتشكّلون وفق رغباته.

لنأخذْ مثلًا اضطراباتِ المزاج. ففي وقتنا الحاليّ، يبلغ عددُ المصابين باضطراب الاكتئاب حوالي 264 مليون شخص.[2] وهناك ما يعادل 800000 حالة انتحار يوميًّا، مقارنةً بحوالي 170 مليون حالة عام 1990.[3] وهذا الارتفاع في حالات الاكتئاب مؤشّر قويّ على مدى تأثير العامل الاجتماعيّ والاقتصاديّ في صحّتنا النفسيّة وشخصيّتنا، وسنعالج بشكل مفصّل هذا التأثير وكيفية فعله لاحقًا. كذلك فاقم وباءُ الكورونا من هذه التأثيرات. هذا طبعًا بالإضافة إلى عوامل بيولوجيّة لاضطرابات المزاج.[4] لكنْ إذا أردنا التعمّقَ في أسباب الاضطرابات من ناحيةٍ اجتماعيّةٍ واقتصاديّة، فسنصطدم بتأثير البنية الاجتماعيّة في صحة الفرد النفسيّة.

في فيلم Requiem for a Dream  (قدّاس الحلم)، نرى في المشاكل التي تدفع أربعةَ أشخاصٍ إلى الاكتئاب، وإلى إدمان المخدِّرات وبرامجِ التلفاز، أثرَ العوامل الاجتماعيّة والاقتصاديّة في بنية الإنسان النفسيّة وملامحِ شخصيّته. فهم يعيشون في مجتمعٍ رأسماليٍّ بامتياز، وهو الولاياتُ المتحدة، حيث البرامجُ التي تركِّز على المظهر الخارجيّ وترسم أحلامًا ومعاييرَ جماليّةً مهيمنة: كلون الشعر والعينيْن، وشكلِ الجسد، وما إلى ذلك. هذه المعايير، على ما يبيِّن الفيلم، تستغلّها شركاتُ التغذية المختلفة وحبوبُ التنحيف "السحريّة" وموضاتُ الملابس المختلفة، بما يدفع الإنسانَ إلى السعي وراءها. وقد أشار عالِمُ النفس التحليليّ الماركسيّ إيريك فوروم إلى نموذج To have[5]، ويعني به الشخصَ الذي يكافح من أجل التملّك، لا من أجل تحقيق الذات. ولا نقصد هنا أنّ سعيَه إلى التملّك خاطئ في حدّ ذاته. ولكنْ أن يَقْصرَ حياتَه عليه، فذلك قد يسبِّب له اضطرابًا نفسيًّا، كاضطراب الاكتئاب او الإدمان، خصوصًا إذا كانت طموحاتُه لا تتوافق وقدراتِه الماليّة.

قيمةُ التملّك باتت أساسيّةً لأفراد المجتمع المعاصر، حتى أصبحت الأحكامُ المسبّقةُ عن الناس تنصبّ بشكلٍ كبيرٍ عليها. وهذا تسبّب في اغتراب الكثير من الأشخاص عن أنفسهم، سعيًا إلى تحقيق معايير المجتمع "المقبولة" عن طريق المزيد من الغرق في ما أَطلقتْ عليه هورني "الذاتَ المثاليّة"[6] التي صنعتْها أدواتُ المجتمع الرأسماليّ كالإعلام، وبمساهمة المجتمع. شخصيّة الأمّ في الفيلم المذكور مثلًا تُدمن برامجَ التلفاز التي تركِّز على الحمْيات الغذائيّة وحبوبِ تخفيف الوزن. ولذلك تصبح مهووسةً بشكل جسدها إلى درجة فقدانها السيطرةَ على نفسها، فتبدأ بتعاطي الحبوب إلى حدّ الإدمان، وينتهي بها الأمرُ إلى مستشفى الاضطرابات النفسيّة.

مثالٌ كهذا ليس من الصعب إيجادُه في مجتمعنا حاليًّا. ففقدان الشهيّة ثالثُ الأمراض المزمنة الأكثر انتشارًا بين فئة المراهقين.[7] وفقدانُ الشهيّة يعني عدمَ تناول الغذاء بالكمّيّات اللازمة حرصًا على معايير "الجمال" الرأسماليّة السوقيّة المتّبعة، وهو يعني فقدانَ الجسم مصدرًا رئيسًا من مصادر الطاقة اللازمة، ما يؤدّي إلى عدم قدرته على الحركة، ومن ثمّ إلى الحدّ من تفاعله الاجتماعيّ وبقائه في العزلة، التي تسبِّب الاكتئاب. ووصولُه إلى هذه الحالة هو بسبب إعادة توجيه المجتمع لأفكاره وذائقته الجماليّة حيال جسده بطريقة إدمانيّة.

وعندما نقول "إدمان،" فإنّنا لا نعني فقط إدمانَ المخدِّرات أو الكحول؛ ذلك أنّ أنواع الإدمان متعدّدة في مجتمعنا المعاصر، كإدمان التسوّق، وإدمان أحلام اليقظة التي تدور حول عيش حياةٍ مرفّهة.

من أكثر الفئات التي تطمح بشكلٍ لا يتوافق مع واقعها فئةُ الشباب. فالكثير منهم يهاجرون إلى المدن والمراكز الرئيسة ذاتِ "الفرص الذهبيّة" في سوق العمل والحياة الاجتماعيّة، متوهّمين مستقبلًا سهلَ المنال ومستقرًّا وسعيدًا. ولكنّ الواقع يقول غيرَ ذلك تمامًا: فهناك استغلالٌ للأيدي العاملة الرخيصة، واستغلالٌ لحمَلة الشهادات الجدد الذين ينالون أجورًا منخفضةً بذريعة "قلّة الخبرة." وإنْ لم تكن شخصًا اجتماعيًّا ذا شخصيّةٍ قويّة، فستقع في مشكلة إيجاد مكانٍ لك وسط هذا العالم الكبير، خصوصًا في ظلّ شروط العمل "تحت الضغط" أو "في مجموعات."

كلُّ ذلك يدفع الشخصَ إلى الاكتئاب والقلق عند الاصطدام بالواقع. فهذه الشروط وهمومُ أفراد المجتمع المعاصر بشكل عامّ ربطت الإنسانَ بالمال، فكاد يدمنه ويتجذّر في لاشعوره الجمعيّ. كأنّ الشخص فينا يُولَد متعلّقًا بوجود المال في حياته بطريقةٍ مرَضيّة.

فالطفل يبدأ حياته سعيدًا وسط أهله، متحمِّسًا لأن يَنضجَ ويحقّقَ أحلامَه. ثم يصل إلى عمرٍ يؤهِّله للوعي بمشاكل العالم الحقيقيّة، فتبدأ الأسئلةُ تدور في ذهنه أكثرَ فأكثر، ليدركَ الأهمّيّةَ "التاريخيّة" للمال. فيغدو إمّا أكثرَ انطواءً، أو أكثرَ انفتاحًا، كي يتمكّن من أن يحظى بمكانةٍ جيّدةٍ وسط هذا العالم. وهكذا، فإنّ وعيَ الإنسان لِما يدور حوله من وقائع اجتماعيّة واقتصاديّة يلعب دورًا في صقل شخصيّته العامّة وصحّته النفسيّة. فكأنّه يعيش في حالة تناقضٍ -- لا بين ما يَحْلم به والواقعِ الذي يعيشُه فحسب، وإنّما أيضًا بين ما هو عليه كفرد وما يطلبه منه هذا المجتمع. كأنّ النظام الرأسماليّ بات مَصْنعًا للاضطرابات النفسيّة، ذا خطّ إنتاجٍ يعمل بلا توقّف.

مهمّتُنا الآن، طلّابًا وعاملين في مجال الصحّة النفسيّة، أن ندع نموذجَ تحقيق الذات (To be) يتطوّر فينا وفي ذوات الآخرين من حولنا، على حساب نموذج التملّك (To have). هكذا نتمكّن جميعًا من السعي إلى الحريّة،[8] وبشكلٍ واقعيٍّ ومنطقيّ، من أجل غدٍ أفضل، بدلًا من الهرب من الواقع والغرقِ في الإدمان؛ فهذا يُشعرنا بـ"طَعم" الحريّة لفترةٍ قصيرةٍ، لا تتعدّى فترةَ انتهاء تأثير المخدِّر!

فلسطين المحتلّة

 


[1] - ماركس وانجلز، منتخبات، ترجمة: الياس خوري (موسكو: دار التقدّم، المجلد 2، 1989)، ص70

[2]- https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/depression

تمت زيارة الموقع في تاريخ 14/2/2021

[3]- Depression: A Global Crisis. 2012 (World Federation for Mental Health), P 7

[4 ]فمثلًا، هناك دراسات تطرح انّه إذا عانى أحدُ أفراد عائلتك الاكتئابَ فأنتَ معرّض للإصابة به أكثر من أيّ شخص آخر بضعفيْن أو ثلاثة.

[5]-Erich Fromm, To Have or To Be? (London: Bloomsbury Academic, 2018)

[6] -"الذات المثاليّة": مصطلحٌ تصف به عالمةُ النفس كيرن هورني الجانبَ الطَّموحَ من حياة الفرد، خلافًا  للذات الواقعيّة. وهي ترى أنّ غرقَ الفرد في ذاته المثاليّة على حساب الذات الواقعيّة قد يصل به حدَّ العُصاب.

[8] ايريك فروم، الخوف من الحريّة، ترجمة: مجاهد عبد المنعم مجاهد (بيروت: المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، 1972).

دارا رفيدي

طالبة بكالوريوس في السنة الأخيرة. تخصّص رئيس علم نفس، وفرعي علم اجتماع، في جامعة بيرزيت. تعمل أخصائيّة نفسيّة متدرّبة في مركز ألفا للتشخيص والتأهيل والتدريب.

كلمات مفتاحية