أي...لاء
28-07-2021

 

لا يعلمُ كيف تطوّرت الحكايةُ إلى هذه الدرجة حتى أصبحتْ مرضًا يصعُب التّعاملُ معه، ولكنّه يذكر جيّدًا كيف بدأ الأمر. وقد بدأ الأمر عندما أحيلَ والدُه على المعاش، فانتقلتْ مسؤوليّةُ الأسرة إليه. قرع كلَّ الأبواب أملًا في الحصول على وظيفة، ولكنّها أُغلقَتْ دونه بلا رحمة. إلى أن رمقَه عجوزٌ، صاحبُ متجرٍ لبيع الموادّ الاستهلاكيّة في ضاحيةٍ نائية، بنظرةٍ تشي بالموافقة، وقال له: "بردّلّك خبر بعد أسبوع."

راح يسأل نفسَه ليلَ نهار عن احتمال قبولِه للعمل. ثمّ لجأ إلى القُرعة. ألصق على قطعةٍ بلاستيكيّةٍ صغيرة ورقةً كَتب عليها "أي" وعلى قطعةٍ أخرى ورقةً ثانيةً كَتب عليها "لاء" ووضع القطعتَين في جيبه.

خضّ جيبَه وأخرج إحداهما. ظهرتْ له قطعة "أي." ابتسم.

بعد أيّام، أعلمه صاحبُ المتجر بموافقتِه. ومنذ ذلك الحين والقطعتان لا تفارقان جيبَه.

يسأل نفسَه: "بحكّيه يزدْلي الراتب؟" يُخرِج من جيبِه قطعة "لاء" فيمتنعُ عن الكلام. يعودُ إلى المنزِل، ويسأل نفسَه: "بحكي جارنا يطفّي الدينامو لتجينا الميّ؟" ثمّ يُخرِج قطعةَ "أي" فيذهب ويُكلّم جارَه. تسأله والدتُه عن نوع الطعام الذي يفضِّل أن تطهوَه له اليومَ على الغداء، وتحار في أمره حين تراه يدسّ يدَه في جيبِه عند كلّ سؤال.

في كلّ الأمور كان يهرب من حيرته إلى جيبه. حتّى أصبح - حرْفيًّا - يختبئ داخل جيبِه.

***

استمرّت الحال على هذا النحو إلى أن دخلتْ سوسن المتجرَ للمرّة الأولى، فلم يستطع أن ينزع عينيْه عنها.

توالت زياراتُها إلى المتجر، وتنوّعت الأحاديثُ التي كان يختلقُها معها في كلّ مرّة، حتّى أصبح يعرف آراءَها في الكثير من الأمور، وأحسّ في تصرّفاتها وابتساماتها نوعًا من القبول اللطيف لشخصيّته.

بدأ يفكّر في مصارحتِها بإعجابه. ولكنْ كلّما دخلت المتجرَ، عمد إلى جيبِه فأخرج إحدى القطعتيْن. وفي كلّ مرّة كانت تظهر له قطعةُ "لاء" فيمتنع عن الكلام!

يعود إلى البيت مساءَ كلِّ يوم، ويضع رأسَه المزدحمَ بالأسئلة على الوسادة. يفكّر في سوسن ويسأل نفسَه:  لماذا تصرّ هاتان القطعتان على منعي من الكلام؟

يعاودُ الكرّة، لكنّ قطعة "لاء" تقف له بالمرصاد.

يزداد تعلّقُه بسوسن، فيقرِّر مخالفةَ جيبه لأوّل مرّة.

تدخل المحلّ. وبعد أن يتأكّد من ذهابِ صاحب المتجر يهمس لها:

- يا سوسن أنا كنت بدي خبّرك شي.

- تفضّلْ.

يتردّد، ثمّ يدسّ يدَه في جيبِه فتظهر له قطعة "لاء" للمرّة المئة. يأخذ نفسًا عميقًا ويقول:

- كنت بدّي قلّك إنّي... إنّي...

- عم أسمعك.

- إنّي احتمال كون بحبّك.

- احتمال؟ والاحتمال التاني شو؟

- إنّي ما كون بحبّك.

تظهر أماراتُ الانزعاج على وجهِها ثمّ تغادرُ المتجر من دون أن تشتري شيئًا.

***

يعود صاحبُ المتجر فيجده محزونًا ومنزويًا. يحاول أن يستنطقَه، فيتردّد في شرح حكايتِه. يسأل نفسَه: هل أخبره؟ ثمّ يُخرِج قطعة "أي" فيروي له الحكايةَ من الألف إلى الياء. يرتمي صاحبُ المتجر على الكرسيّ ضاحكًا، ويقول:

- يا أهبل! فيه واحد بيحبّ واحدة بيقلّها هالكلام؟

يصمت ويفكّر في كلماتِه التي قالها، فلا يجد غريبًا فيها. ألا يعيش هو نفسُه في بلادِ الاحتمالات؟

ما احتمالُ أن يعود إلى المنزل فيجدَ أهلَه جياعًا في آخر الشّهر؟

ما احتمالُ أن يبقى حيًّا إذا فاز منتخَبٌ يشجِّعه أغلبُ أهالي الحيّ وأخذوا يُطلقون الرصاصَ الطائش ابتهاجًا؟

ما احتمالُ ألّا يقطعوا الكهرباء ساعتيْن متواصلتيْن عندما يكون في أمسّ الحاجة إليها؟

لماذا يستثني الحبَّ من الاحتمالات؟

يقطع عليه شرودَه صاحبُ المتجر وهو يسأله: "شبك سارح؟"

يهمّ بالكلام. يحاولُ أن يشرحَ موقفَه، ولكنّه يتردّد، ثمّ يدسّ يدَه في جيبِه. تظهر له قطعة "لاء" فيؤْثرُ الصّمتَ على الكلام.

                                                      اللاذقيّة

نغم داؤد

وُلدتْ سنة 2000 في اللاذقيّة. تخرّجتْ من الثانويّة العامّة بدرجة امتياز. تتمّ حاليًّا دراستَها في جامعة تشرين في الكلّيّة الطبيّة.