Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

الحركة الشيوعيّة المصريّة والقضيّة الفلسطينيّة (1/2)

مقالات

 

يقتضي الحديث عن هذا الموضوع بحثًا طويلًا ومُعمّقًا، لكنْ سيقتصر حديثُنا هنا على أربعة عناصر أساسيّة:

الأوّل: فكرة تاريخيّة موجزة عن نشأة الحركة الشيوعيّة المصريّة.

والثاني: مواقف هذه الحركة من الصهيونيّة والقضيّة الفلسطينيّة، قبل ثورة يوليو 1952، وحتى "نكسة" يونيو 1967.

والثالث: مواقفها منهما فى فترة "التأسيس الثالث" (السبعينيّات).

والرابع: مواقفها منهما منذ عهد مبارك.

 

القسم الأول

أولًا: موجز تاريخ الحركة الشيوعيّة المصريّة

تعدّ الحركة من أقدم الحركات السياسيّة التى شهدتها مصرُ الحديثة، إذ تعود بداياتُ نشأتها إلى أواخر القرن التاسع عشر، حين كانت مصر قد قطعتْ شوطًا فى دخول عصر التصنيع وإنشاء "الفابريكات" والمعامل، واتّسع نطاقُ الطبقة العاملة، وبدأت التحرّك دفاعًا عن مصالحها، فانتشرت الإضرابات العمّالية منذ العام 1899 لمواجهة ظروف العمل القاسية (أضرب، على سبيل المثال، عمّالُ شركة البواخر الخديويّة، ثمّ عمّال المركبات سنة 1906، وعمّال توزيع التلغراف سنة 1906، وعمّال السكك الحديديّة سنة 1908...).

مهّد صعودُ الحركة الإضرابيّة لتنامي الوعي بحقوق الطبقات الفقيرة في المجتمع. ولمّا كانت مصر، آنذاك، تموج بأعدادٍ غفيرةٍ من العمّال، من أبناء الجاليات الإيطاليّة واليونانيّة والفرنسيّة والبريطانيّة والمالطيّة والقبرصيّة، والروسيّة (بعد ثورتيْ 1905 و1917...)، فقد أدّى وجود قيادات عمّاليّة أجنبيّة متمرّسة دورًا في التوعية بالحاجة إلى تنظيم صفوف العمّال في مواجهة سطوة كبار رجال المال والأعمال والإقطاعيّين ومُلاّك الأراضي، المتحالفين مع الملك والاحتلال البريطانيّ والامتيازات الأجنبيّة.

بدأت الحركة المنظّمة بتأسيس نقابات عمّاليّة عديدة (للسجائر والخياطة والمطابع والصنائع اليدوية بين 1899 و1909). وهيّأ الزخم المتولّد عن هذه الحركة الظرفَ لتأسيس الحزب الاشتراكيّ المصريّ (29 أغسطس 1921)، الذي حمل اسم الحزب الشيوعيّ المصريّ فيما بعد، وكان من أبرز قياداته: سلامة موسى، وعلي العناني، ومحمّد عبد الله عنّان، والشيخ صفوان أبو الفتح، وجوزيف روزنتال (اشتراكيّ وَفدَ إلى مصر عام 1899).

                    (جوزيف روزنتال)

 ساهمتْ ظروفُ الحرب العالميّة الأولى، وما تلاها من تداعياتٍ اقتصاديّة سلبيّة انعكستْ على أوضاع الطبقات الفقيرة بقسطٍ ملحوظ، في توسيع مدى حركة الحزب الاشتراكيّ؛ ما أثار حفيظة الحكم والاحتلال: فطاردا الحزب، واعتقلا قادته على عهد وزارتيْ سعد زغلول وأحمد زيوار، وحوكموا طبقًا للقوانين القمعيّة التي صكّها المستعمرُ البريطانيّ. كما وُجّهتْ ضرباتٌ مؤثّرة إلى قواعده، أدّت إلى تقليص قدرته على الحركة المؤثّرة طوال الثلاثينيّات، التي شهدتْ ــــ في المقابل ــــ تصاعد نشاط الاتّجاهات الفاشيّة والمتطرّفة: حزب مصر الفتاة، وجماعة الإخوان المسلمين (تأسّستْ فى مدينة الإسماعيليّة بدعم ماديّ إنجليزيّ عام 1928).

في الأربعينيّات، وفي ظلّ مقدّمات الحرب العالميّة الثانية، استعادت الحركةُ الاشتراكيّة عافيتها. فقد سعى هنري كورييل، المثقّفُ اليهوديّ المصريّ الماركسيّ، المولود في القاهرة عام 1915، وابنُ أحد أصحاب المصارف، إلى تأسيس الاتحاد الديمقراطيّ، ليضمّ بعضَ الأجانب المقيمين في مصر. وكانت قد بدأتْ حركة موازية، وسط قطاع آخر من العمّال والمثقّفين الأجانب، على يد السويسريّ جاكو دي كومب، ونشطتْ تحت مسمّى "أنصار السلام." وفي شتاء العام 1941 ــــ 1942 كانت الحلقات الشبيهة قد بلغت أكثر من عشرين، أهمُّها "الحركة المصريّة للتحرّر الوطنيّ،" التى رأسها هنري كورييل، و"مجموعة إسكرا" (الشرارة)، التي رأسها اليهوديّ المصريّ هليل شفارتز، و"منظّمة تحرير العمل" التي تأسّست سنة 1943. وبحلول العام 1945، كانت قد نشأتْ تشكيلات اشتراكيّة أخرى، ضمّت أجانب ومتمصّرين ومصريّين، منها: "الطليعة" و"عصبة الماركسيين" و"الفجر الجديد،" ونما الاتجاهُ نحو وجوب "تمصير" هذه التنظيمات وتوحيد صفوفها. وقد أدّى هذا التوجّه إلى اندماج أكبر جماعتين من هذه الجماعات، "الحركة المصريّة للتحرر الوطنيّ" و"أسكرا،" لتكوين "الحركة الديمقراطيّة للتحرر الوطني" (حدتو)؛ وهو ما ساعد على انطلاقة نشاطها بشكل واسع، وبالذات مع التوسع الصناعيّ الذي واكب وقائع الحرب، وتأثيره في الإسراع فى وتيرة تطور حركة التصنيع المحليّ وزيادة القاعدة العماليّة لتعويض انقطاع الواردات من الخارج خلال سنوات القتال.

تواكبتْ مرحلة ما بعد الحرب، التي شهدتْ بروزَ دور الاتحاد السوفييتيّ ودول الكتلة الاشتراكيّة، مع استعادة الحركة الوطنيّة، المُطالِبة بالتخلّص من عبء الاحتلال والنظام الملكيّ المهترئ، قدرتَها وحيويّتَها. وكان للماركسيّين، ولـ "حدتو،" دور ملحوظ وسط العمّال وطلّاب الجامعات والمعاهد العليا في تعميق هذه المطالب، وربطها بالدستور والحريّات والحقوق السياسيّة والاجتماعيّة. وتبدّى ذلك في قيادة الانتفاضة الطلّابيّة الكبرى، التي قدّمتْ بديلًا ثوريًّا للقيادات التقليديّة الفاسدة والمهترئة، وتمتّل ذلك في اللجنة الوطنيّة للعمّال والطلبة (1946). وقد اعتُبرتْ وقائعُ هذه المرحلة من "الممهِّدات" الرئيسة لثورة 23 يوليو 1952، التي كان من قادتها، في تنظيم الضبّاط الأحرار، عناصر تنتمي إلى الحركة الشيوعيّة المصريّة، ومنهم: خالد محيي الدين، ويوسف صدّيق، وأحمد حمروش.

بعد هدنةٍ قصيرةٍ مع نظام الحكم الذي تشكّل عقب الثورة، حُلّت الأحزاب السياسيّة، باستثناء جماعة الإخوان، وبدأتْ موجة جديدة من مطاردة المنظّمات الشيوعيّة واعتقال قياديّيها وكوادرها، وحظر أنشطتها التي استمرّت بشكلٍ سريّ. حتى كان عام 1958، حيث جرى توحيد "حدتو" مع أغلب التنظيمات الشيوعيّة الأخرى لتكوين الحزب الشيوعيّ المصريّ الموحَّد. وعلى أثر ذلك وجّه النظام ضرباتٍ عنيفةً إلى الكوادر الشيوعيّة، واعتقل أعدادًا غفيرةً منها في معتقل الواحات الصحراويّ، حيث تعرّضوا لموجات تعذيب شديد، أدّت إلى سقوط شهداء عديدين، في مقدّمتهم القائدُ الشيوعيّ شهدي عطيّة الشافعي.

لكنْ مع إعلان "التوجّهات الاشتراكيّة" للنظام الناصريّ في الستينيّات، بدأ الإفراج عن المعتقلين الشيوعيّين، بشروطٍ قاسية، أبرزُها: تجميدُ النشاط المستقلّ، وحلُّ الحزب الشيوعيّ المصريّ، وانضواءُ عناصره فُرادى تحت لواء الهيئة السياسيّة للحكم، آنذاك، "الاتّحاد الاشتراكيّ العربيّ." ومع أنّ بعض الكوادر الشيوعيّة رفضتْ هذه الشروط، فإنّ تحرّكها ظلّ فى نطاقٍ محدود.

غير أنّ الحركة السياسيّة خارج عباءة النظام، بشكلٍ عامّ، والنشاط الشيوعيّ على وجه الخصوص، شهدا دورة صعودٍ جديدةً فى أعقاب حرب 1967 وما ترتّب عليها من نتائج كارثيّة أدّت إلى نشوء ظروف موضوعيّة مؤاتية لإعادة البناء؛ الأمرالذي تحقّق مع أجيال جديدة من الاشتراكيّين الشباب، في الجامعات والمصانع، وتفجُّر الهبّات الطلّابيّة والعمّاليّة، بدءًا من العام 1968 (احتجاجًا على الهزيمة واعتراضًا على الأحكام الهزيلة التي صدرتْ في حق المتسبِّبين فى وقوعها)، ثمّ بعد تولّي الرئيس أنور السادات السلطة عقب رحيل الزعيم جمال عبد الناصر في سبتمبر 1970 (للمطالبة بالحرب من أجل استعادة الأراضي المصريّة والعربيّة المحتلّة).

كان هذا الظرف مواتيًا لإطلاق موجة جديدة من العمل الشيوعيّ وإعادة تأسيس العمل الماركسيّ المستقلّ. فنشأتْ ثلاثُ منظّمات حملتْ أسماء: الحزب الشيوعيّ المصريّ ــــ 8 يناير (تيمّنًا بيوم توحيد الحركة الشيوعيّة المصريّة فى 8 يناير 1958،) والحزب الشيوعيّ المصريّ، وحزب العمّال الشيوعيّ. واصطدمتْ هذه الأحزاب بنظام السادات صداماتٍ داميةَ طوال السبعينيّات، على خلفيّة تدهور الأحوال المعيشيّة للملايين مع انتهاج السلطة سياسةَ "الانفتاح" الاقتصاديّ منذ العام 1974، والتوافق بين السلطة و"الإخوان" (والتيّارات الدينيّة المتطرّفة) في مواجهة الشيوعيّين والناصريّين، وبروز التوجّهات الساداتيّة المناقضة للخطّ التحرّريّ الناصريّ، والارتماء في أحضان الولايات المتحدة، والشروع فى الصلح مع العدوّ الصهيونيّ.

كانت ذروة هذا الصدام وقائع "انتفاضة الخبز" في 18 و19 يناير 1977، التي اتّهم النظامُ الشيوعيّين و"لابسي قميص عبد الناصر" بإشعالها. وانتهى الأمر في 6 أكتوبر 1981 باغتيال السادات على يد الجماعات الدينيّة التي أطلقها من عقالها لمواجهة صعود خصومه من اليسار في الجامعة والمجتمع.

 

ثانيًا: مواقف الحركة الشيوعيّة المصريّة إزاء الصهيونيّة والقضيّة الفلسطينيّة قبل ثورة يوليو 1952 وحتى "نكسة" حزيران 1967

كانت الحركة الشيوعيّة المصريّة، منذ بدايات عشرينيّات القرن الماضي، سبّاقةً إلى اكتشاف جوهر الصهيونيّة العدوانيّ، وحقيقة علاقتها بخدمة المطامع الامبرياليّة، والتنبيه إلى خطر النكوص عن التصدّي لخططها، في وقت كانت الرأسماليّة المصريّة غارقةً في علاقات حميمة مع كبار الرأسماليّين اليهود.(1) وكتب سلامه موسى قبل نحو عقديْن من اغتصاب فلسطين أنّ "الصهيونيّة من حيث الوسيلة والغاية حركة رجعيّة تجعل من الدين اليهوديّ، الذي هو من أسرار الضمائر وصوفيّة النفوس، قوميّة وعصبيّة تعود إلى معنى الدين قبل 5000 سنة، حين كان لكلّ أمّةٍ ربُّها الذي يحميها ولا يحمي غيرَها من الأمم."(2)

وحين أسّس الشيوعيّون لجنة العمّال للتحرير القوميّ، في العاشر من أكتوبر 1942، كان مطلب مكافحة الصهيونيّة وتأييد الشعب الفلسطينيّ فى نضاله الوطنيّ الديمقراطيّ على رأس جدول أعمالها.(3)

وفي مؤتمر النقابات العماليّ الذي عُقد في باريس في سبتمبر 1945، اشترك الوفدُ المصريّ، مع الوفود العربيّة، في فضح البنية الإيديولوجيّة والتوجّهات الصهيونيّة للهستدروت، باعتباره "منظّمةً رأسماليّة تملك كثيرًا من المؤسّسات الصناعيّة التي تستغلّ جهودَ المنتسبين إليها تحت تأثير فكرة الصهيونيّة." وطالب الوفدُ المصريّ من المؤتمر مناصرة فلسطين العربية فى كفاحها ضد الاستعمار، وضدّ الصهيونيّة باعتبارها نوعًا من الفاشيّة.(4)

وأكّدتْ منظّمة إسكرا، في برنامج "أهدافنا الوطنيّة،" الذى صاغه القائدان الشيوعيّان: شهدي الشافعي وعبد المعبود الجبالي عام 1945، على أنّه "ليس أخطرَ على القضيّة الفلسطينيّة من الفكرة الصهيونيّة القائلة بتكوين دولة يهوديّة."(5)

وأوضح أنور كامل، المنتمي إلى الحركة التروتسكيّة، فى كتيّب بعنوان الصهيونيّة: "نحن نحارب الصهيونيّة حربًا لا هوادة فيها (...) لا لأنّ لدينا كراهيةً لليهود، وإنّما لأنّنا نعتقد أنّ الصهيونيّة حركة استعماريّة مركبة؛ استعماريّة بحكم أهدافها الذاتيّة، واستعماريّة لاستخدام القوى الكبيرة لها."(6)

غير أنّ مواقف الشيوعيّين المصريّين من القضيّة الفلسطينيّة تعرّضتْ إلى تشويهٍ كبيرٍ، وبعضُها رُوّج له عن سوء قصد، من الأطراف الرجعيّة والعنصريّة والمعادية، بهدف عزلهم وتسهيل مهمّة ضربهم (بالمعنى السياسيّ والأمنيّ). وعلى رأس هذه الأسباب أنّ بعض مؤسّسي تنظيمات الحركة الشيوعيّة المصريّة الثانية كانوا من اليهود المصريّين أو المتمصّرين، كما سبق الذكر. ولذلك اتُهمت الحركة الشيوعيّة المصريّة بكاملها باتخاذ مواقف ممالئة لإسرائيل والصهيونيّة. ويظلم هذا الادّعاء الحركةَ الشيوعيّة المصريّة ظلمًا شديدًا... بل يظلم أكثريّةَ الشيوعيّين المصرييّن من ذوي الأصول اليهوديّة، الذين قدّموا نموذجًا فريدًا في الانحياز إلى الحقّ والتزام الموقف الماركسيّ المبدئيّ، مضافًا إليها نتائج أعمال المنهج الماركسيّ العلميّ في تشريح المشروع الرأسماليّ الإحلاليّ الاستيطانيّ الصهيونيّ ذي الطبيعة الاستعماريّة، ودوره الوظيفيّ في خدمة الامبرياليّة وخطط هيمنتها على المنطقة . وكتب يوسف درويش، الشيوعيّ المصريّ من أصلٍ يهوديّ، فى مجلة الضمير، بتوقيع خيري محمود:

"لن تمرّوا هي الكلمة التى صاح بها الجمهوريّون الأسبان عام 1936 يوم أن هجمتْ عليهم الفاشيّةُ العالميّة، وهي الكلمة التى تصيح بها اليوم شعوبُ البلدان العربيّة في وجه الصهيونيّة... إنّ الفاشيّة والصهيونيّة من طينةٍ واحدة: الاستعمار والإرهاب لتستمرّ فى استغلال الشعب الكادح."(7)

ويُحدِّد أحدُ أبرز مؤرِّخي هذه الحقبة، د. رفعت السعيد، مَحاورَ حركة اليسار المصريّ تجاه القضيّة الفلسطينيّة في الأربعينيّات على النحو الآتي: "الكفاح ضدّ الصهيونيّة وفضحها ومحاولة عزلها عن جماهير اليهود المصريّين؛ الكفاح ضدّ الرجعيّة وفضح تحالفها مع الصهيونيّة، وفضح تبعيّتها الكاملة للاستعمار ومخطّطاته (...)؛ الكفاح ضدّ الدعاوي العنصريّة، وكشف وجهها الاستعماريّ والرجعيّ باعتبارها خيرَ مُشجِّعٍ على إنجاح مخطّطات الصهيونيّة."(8)

ولتحقيق هذه الأهداف، حين لاح خطرُ إنشاء الكيان الصهيونيّ على الأرض الفلسطينيّة المغتصبة، أسّس الشيوعيّون المصريّون من ذوي الأصول اليهوديّة "الرابطة الإسرائيليّة لمكافحة الصهيونيّة،" وقد أصدرتْ بيانها التأسيسيّ في يونيو 1947، واعتبرتْ فيه الصهيونيّة "أداةً لخدمة السياسة الاستعماريّة... تريد استخدامَ اليهود لتأكيد سيطرتها على الشرق الأوسط."(9) واتّهمت الرابطة الصهاينة "بصرف اليهود عن الكفاح ضد عدوّهم الأوّل ــــ ألا وهو الفاشيّة،" وبـ"التعاون المتزايد مع عناصر مشهورة بنزعتها الفاشية، وفي ذلك خيانة لا تُغتفر للقضيّة اليهوديّة، هذه القضيّة التي لا يمكن فصلُها عن قضيّة الشعوب عامّة."(10) واعتبرتْ أنّ المشكلة الفلسطينيّة هي أساسًا مشكلة تحرير فلسطين من الاضطهاد والاستعمار، وأنّ الطريق الوحيد الذي يجب أن يسلكَه يهودُ فلسطين هو "التفاهم مع العرب والاتحادُ معهم لتحرير فلسطين من نير الاستعمار، إذ إنّ فلسطين المستقلّة الديمقراطيّة هي الوحيدة التي تستطيع أن تضمن للسكّان اليهود حياةً رغدة ومثمرة."(11)

وبناءً على ما تقدّم، فقد رفضت الرابطة سياسة الهجرة اليهوديّة التى تعارضها أغلبيّةُ سكّان فلسطين؛ "فلسنا في حاجة إلى هجرةٍ تؤدّي بإخواننا اليهود إلى أن يعيشوا جوَّ حربٍ أهليّةٍ فى فلسطين."(12) وطالبتْ بتكوين جبهة موحّدة مع الحركة التحريريّة العربيّة فى سبيل فلسطين حرّة مستقلة ديمقراطيّة طريقًا لخلاص "الجماهير اليهودية فى فلسطين."(13) وأعلنتْ أنّ الطائفة اليهوديّة فى مصر تعادي، في صراحة وبكلّ قوّة، الدعايةَ الصهيونيّة التى ترمي إلى "عزل الطائفة اليهوديّة عن الشعب المصريّ عزلًا خطيرًا."(14) وكرّرت الرابطة تصميمَها على:

"مكافحة عملاء الصهيونيّة في مصر، الذين يخونون المصالحَ الحقيقيّة لليهود المصريّين لخدمة مصالح متعارضة كلَّ التعارض مع مصالح اليهود ومصالح الشعب المصريّ بأجمعه. إنّنا نراه واجبًا مقدّسًا على يهود مصر أن يعلنوا حربًا لا هوادة فيها ولا رحمة على الأفكار الصهيونيّة، وعلى من يقوم بالدعاية لها. يجب أن نخلّص الشباب اليهوديّ فى مصر من سموم الصهيونيّة."(15)

ويضرب بعضُ رموز الماركسيّين من اليهود المصريّين المثلَ في الترفّع عن التعصّب الدينيّ والقوميّ، مثل المحامي الشيوعيّ شحاته هارون، الذي أصرَّ على البقاء في مصر، واستمرّ حتى وافته المنيّة مدافعًا صلبًا عن مصالح العمّال والفقراء، وعن حقوق الشعب الفلسطينيّ وآماله، ومقاومًا للصهيونيّة وأهدافها. ومنهم أيضًا المحامي يوسف درويش، الذي كافح بدأب ضدّ الصهيونيّة قبل إعلان اغتصاب فلسطين (واعتقلته السلطاتُ المصريّة بسبب هذا الموقف!)، ووزّع المنشورات التي تحضّ على مقاومة المشروع الصهيونيّ، ورفض إقامة إسرائيل لأنّها دولة عنصريّة سرقتْ أرض شعبٍ وطردتْه من بلاده، على ما قال في لجنة لتقصّي الحقائق تابعة للأمم المتحدة جاءت إلى مصر سنة 1947. كما أنّ يوسف درويش كان ضدّ كامب ديفيد أيضًا "لأنّها لم تحقق العدل،" والعدل من وجهة نظره هو "دولة علمانيّة واحدة تجمع كلّ سكان فلسطين، مسلمين ومسيحيّين ويهودًا."(16)

                                                ( المحامي الشيوعيّ شحاته هارون)

الجدير ذكره أنّ هذا الموقف، أيْ رفضُ الدولة الصهيونيّة والمطالبةُ بـ"اندماج اليهود" في دولة ديمقراطيّة تمّحي فيها الفوارقُ بين الأديان والأجناس، يستند إلى رؤية ماركسيّة فصَّلها كارل ماركس باستفاضة في المسألة اليهوديّة، حين أعلن أنّ "تحرّر اليهود يعني تحرّرَهم من اليهوديّة،" أيْ تحرّرَهم من التعصّب والانعزاليّة وعقليّة الغيتو المدمِّرة، وذوبانَهم في المجتمعات التي وُلدوا فيها من دون عقد أو حساسيّات. وأكّد لينين، بعد ذلك، رؤيته لقضيّة القوميّة والموقف الشيوعيّ المبدئيّ منها.

ويتزايد تقديرُنا لهذا الموقف إذا علمنا أنّ النشاط الصهيونيّ في تلك الآونة كان نشاطًا شبهَ علنيّ، وكانت عمليّات تجنيد الشباب اليهوديّ تجري على قدمٍ وساق؛ بل شهدت مدنٌ مصريّةٌ عديدةٌ، منها الإسكندرية، استعراضاتٍ شبهَ عسكريّة للتنظيمات الشبابيّة الصهيونيّة، كمنظمة "البيتار،" من دون أن تعترض السلطات، فيما كانت تطارد اليهودَ الشيوعيّين، وتتعقّب حركاتهم وأنشطتهم. ولعلّنا نشير في هذا السياق إلى مشاركة عددٍ من رموز المثقّفين والسياسيّين المصريّين (الليبراليّين)، مثل أحمد لطفي السيد، في افتتاح الجامعة العبريّة في القدس (عام 1925)، وفي أنشطةٍ عديدةٍ كانت الحركة الصهيونيّة تقف خلفها، من دون أن يحرّك ذلك ساكنًا في الطبقة الحاكمة المصريّة المتواطئة مع الملك والاحتلال .

 وقد شنّ الشيوعيّون المصريّون اليهود جهدًا فكريًّا صادقًا لفضح الصهيونيّة ومؤامرتها، على رأسهم أحمد صادق سعد، الذى كتب سنة 1947 كتابًا مهمًّا بعنوان فلسطين بين مخالب الاستعمار، يُعدّ من أوائل الكتب التى شَرَّحتْ، من وجهة نظر الماركسيّة، الفكرة الاستعماريّة الصهيونيّة، وأوضحتْ أبعادها. وقد فصّل في مقدمة الكتاب دواعي كتابته له: "قد يظهر غريبًا للقارئ أن نكتب عن مشاكل فلسطين في حين أنّنا في مصر نجتاز مرحلةً من أدقّ مراحل تاريخنا. ولكنّ الحقيقة أنّ قضيّة التحرّر من الاستعمار الأجنبيّ هي أيضًا قضيّة التحرّر من الحكم الرجعيّ المفروض على الشعب فرضًا."(17) ويقول فى الفصل الأوّل من الكتاب إنّ "الصهيونيّة شريكة للاستعمار البريطانيّ في فلسطين وربيبته، يتبادل كلاهما المساعدة ويتقاسم المنفعة."(18)

لكنّ جهود الشيوعيّون اليهود فى مواجهة الصهيونيّة لم تتوقّف عند الفضح النظريّ لإيديولوجيّتها الاستعماريّة العنصريّة وحسب، وإنّما تصدّت لها فى مراكز انتشارها ومنتدياتها. وهو ما دفع مجلة الجماهير الشيوعيّة إلى تحيّتهم وتثمين جهودهم والتأكيد أنّ "ظهور حركة ديمقراطيّة بين يهود مصر، وأنّ مقاومة اليهود الديمقراطيّين للصهيونيّة أداة الاستعمار، حركةٌ مباركةٌ حقًّا، وجديرةٌ بعطف كلّ وطنيٍّ يبغى القضاء على الاستعمار."(19)

 وعلى الرغم من أنّ الحكمة والمصلحة الوطنيّة كانتا تحتّمان دعمَ هذا الاتجاه ومنحَه الفرصةَ للنمو فى مواجهة المشروع الصهيونيّ الزاحف، فإنّ الطبقة الحاكمة العميلة، والتابعة للاستعمار،  بقيادة رئيس اتحاد الصناعات، ورئيس الوزراء إسماعيل صدقي باشا، والتي كانت تغضّ البصر عن النشاط الصهيونيّ الكثيف الذى استهدف تجنيد اليهود المصريّين، وجّهتْ ضربةً عنيفةً إلى هذا التيار المعارض للصهيونيّة، وخاصّةً بعد إعلان "الدولة الإسرائيليّة" فى مايو 1948، والحرب الأولى التى انتهت بهزيمة مريرة للجيوش العربيّة، والحملة غير الواعية لطرد اليهود العرب الذين نزح عددٌ مهمٌّ منهم إلى الكيان الصهيونيّ، مضيفًا إليه قوةً جديدةً عليمةً بأوضاع العرب ودقائق حياتهم.

                                                                 (بور سعيد)

كما ساعد العدوان الثلاثيّ على مصر، بمشاركة العدو الصهيونيّ، عام 1956، في إيجاد مناخ من الريبة والشكّ في كلّ اليهود فى مصر ودول عربية أخرى؛ الأمر الذي قطع الطريق على إمكانية التمييز بين اليهود الصهاينة وأولئك المعادين لهذه الفكرة العنصريّة، التي أصبحتْ دولة عدوانية لا تكفّ عن البطش والعدوان .

 ومن زاويةٍ أخرى، فإنّه لا يمكن إهمالُ التحوّل فى مواقف بعض القيادات اليهوديّة في الحركة الشيوعيّة المصريّة، ومنهم هنري كورييل ذاته، الذي حاول بعد هزيمة 1967 الترويجَ لـ "السلام" بين العرب وإسرائيل، والدعوة إلى تسوية سياسيّة تُبقي على إسرائيل المدجّجة بالسلاح، مدّعيًا الانطلاقَ من "الحقّ المقدّس، وغير القابل للتقادم، للجماعات القومية في الوجود القوميّ، ولهذا فإنّنا نعترف بحقّ إسرائيل فى الوجود القوميّ.." (20) "ويبقى هذا صحيحًا حتى إذا أعلنّا إنّ إسرائيل هي واقع استعماريّ، لأنّ كثيرًا من الدول الاستعمارية أصلها وقائع استعماريّة."(21) وهو ما أدانه الشيوعيّون المصريون، واعتبره المحامي والقيادي الشيوعي الراحل، أحمد نبيل الهلالي، انتقالًا من "خندق الشيوعيّة إلى خندق الصهيونيّة، وذلك بتنكّره للمفهوم اللينينيّ عن القوميّة والأمّة، وبتبنّيه لجوهر الإيديولوجيا الصهيونيّة المتمثّل في خرافة الأمّة اليهوديّة العالميّة، والقول بانتماء يهود العالم إلى أصلٍ عرقيٍّ واحد."(22)

ويُذكر للشيوعيّين المصريّين أنّهم، على الرغم من تنكيل السلطة بهم، قد أدّوا، في مواجهة العدوان الثلاثيّ على مصر عام 1956 دورًا مشهودًا، إذ شاركوا بقوّة فى تنظيم وقيادة المقاومة الشعبيّة للعدوان على المدينة. ومن الثابت أنّ شمس بدران نقل إلى القيادة الناصريّة في القاهرة اقتراحًا يقضي بدخول الشيوعيّين، الذين تجمّعوا فى معسكراتٍ للتدريب، إلى المدينة المُحاصرة، من أجل تنظيم عمليات المقاومة الشعبيّة، فتلقّى الموافقة. وطبع الشيوعيون المنشورات، واستجابت لهم الجماهير استجابة حارّة، وشكّلت الجبهة المتّحدة للمقاومة الشعبيّة.(23)

غير أنّ هذه العلاقة الإيجابيّة سرعان ما تبدّلتْ بعد انتهاء الحرب وانسحاب المعتدين. فتباعدت الشقّة بين الطرفين مع إعلان الشيوعيّين توحيدَ فصائلهم في الحزب الشيوعيّ المصريّ الموحّد مع بدايات عام 1958، الأمر الذي توجّس منه النظامُ ورأى فيه تحدّيًا لا يجب قبوله. وجاءت الخلافات حول مسألة الوحدة المصريّة ــــ السوريّة، والشروط الضامنة لنجاح هذه التجربة (التي لم يرفضها الشيوعيّون من حيث المبدأ)، لكي تدفع بالصدام إلى حدودٍ غير مسبوقة، إذ انفتحتْ أشداقُ السجون والمعتقلات لكي تضمّ الآلاف من الشيوعيّين، الحلفاء الموضوعيّين للسلطة. وهذا ما ترك هذه السلطة فريسةً لخصومها وأعدائها، الذين تسلّلوا إلى بنيانها، وهيّأوا الأوضاع لهزيمةٍ غير مُستحقّة من العدو الصهيونيّ، ثمّ لانقضاضٍ كاملٍ على السلطة وتوجهاتها بوصول أنور السادات، والطبقة التي يمثّلها، إلى قمة السلطة بعد رحيل الرئيس جمال عبد الناصر.

(يتبع جزء ثانٍ)

مصر

( 1 )  أحمد نبيل الهلاليّ، اليسار الشيوعيّ المُفترى عليه ولُعبة خلط الأوراق (القاهرة: دار ميريت، 2004)، ص41.

(2)  المجلة الجديدة، العدد السنويّ الأوّل، القاهرة، 1929.

(3)  برنامج لجنة العمّال للتحرير القوميّ، 1945.

(4)  مجلة الضمير، 7 نوفمبر 1947.

(5)  أحمد نبيل الهلاليّ، مصدر سبق ذكره، ص 45.

(6)  المصدر السابق، ص 47.

(7)  مجلة الضمير، افتتاحيّة عدد 17 أكتوبر 1945.

(8)  د. رفعت السعيد، اليسار المصريّ والقضية الفلسطينيّة، دراسة وثائق، تعليق خالد محيي الدّين (بيروت: دار الفارابي، أيلول

1974)، ص 45.

(9)  بيان الرابطة الاسرائيليّة لمكافحة الصهيونيّة (القاهرة: مطبعة الشبكتي في الأزهر، يونيو 1947)، ص 7 .

(10)  المصدر نفسه ، ص 8.

(11)  المصدر نفسه، ص 10.

(12)  المصدر نفسه، ص 10.

(13) المصدر نفسه، ص 11.

(14)  المصدر نفسه، ص 13.

(15)  المصدر نفسه، ص 14.

(16)  وائل عبد الفتاح، "البحث عن الرجل الحديديّ: حكايات يوسف درويش من عصر السلطان حسين إلى أزمة حسني مبارك، ومن

حارة اليهود إلى قلب القاهرة،" جريدة الفجر، تشرين أوّل 2005 .

(17)  أحمد صادق سعد، فلسطين بين مخالب الاستعمار (لجنة القاهرة للتأليف والنشر)، ص 3 .

(18)  المصدر نفسه، ص 3 .

(19)  مجلة الجماهير، 28 أبريل 1947.

(20)  هنري كورييل، من أجل سلامٍ عادلٍ فى الشرق الأوسط (القاهرة: دار الثقافة الجديدة، الطبعة الأولى، 1999)، ص 105.

(21)  المصدر السابق، ص 108 ــــ 109.

(22)  الهلالي، مصدر سابق، ص 77.

(23)  أحمد حمروش، شهود ثورة يوليو، ص 468، مذكورة فى أحمد نبيل الهلاليّ، مصدر سبق ذكره، ص 49.

اتّصل بنا من نحن دار الآداب