Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

الحركة الشيوعيّة المصريّة: تاريخ من الفرص الضائعة

مقالات

 

رغم البدايات الواعدة في العام ١٩٢١، عانت الحركةُ الشيوعيّة المصريّة أزماتٍ وانقساماتٍ وفجواتٍ في تاريخها حالت دون تحوّلها إلى حركةٍ جماهيريّةٍ مؤثّرة سياسيًّا واجتماعيًّا.

يقسم المؤرّخون تاريخَ الشيوعيّة المصريّة إلى حركاتٍ متتالية: الأولى في عشرينيّات القرن العشرين، والثانية في الأربعينيّات، والثالثة في السبعينيّات. أمّا الحركة منذ التسعينيّات فلم يؤرَّخْ لها بعد، ولكنْ لا شكّ في أنّه يمكن اعتبارُ الأحزاب والمجموعات التي نشأتْ منذ التسعينيّات ــــ أيْ بعد سقوط الاتحاد السوفييتيّ ــــ حركةً رابعة ممتدّة حتى الثورة المصريّة سنة ٢٠١١.

هذا التقسيم، في واقع الأمر، انعكاسٌ لتقطّع تاريخ الحركة الشيوعيّة المصريّة نفسها. فالحركة الأولى، التي بدأتْ سنة ١٩٢١، انتهت عمليًّا سنة ١٩٢٤. والحركة الثانية بدأتْ من الصفر في أواخر الثلاثينيّات، وانتهت بكارثة حلِّ الحزب الشيوعيّ في منتصف الستينيّات. والحركة الثالثة بدأتْ في مطلع السبعينيّات، وانتهت حركةً ذاتَ شأن في نهاية الثمانينيّات وبداية التسعينيّات مع انهيار الاتحاد السوفييتيّ.

الملاحَظ أنّ كلَّ جيل جديد من الشيوعيّين يسلك الطريقَ نفسَه: فيعود إلى نقطة البداية نفسها في الحلقات الماركسيّة والطلّابيّة، مرورًا بمجموعات الدعاية المنظّمة، وصولًا إلى التنظيم الشيوعيّ. صلةُ كلّ جيل بالجيل السابق تقتصر على قراءة الوثائق المتوفّرة والعلاقات الشخصيّة الفرديّة. لم يكن هناك تراكمٌ تنظيميّ وفكريّ للحركة الشيوعيّة على الرغم مِن تاريخها الطويل.

 

من البدايات حتى حلّ الحزب الشيوعيّ سنة ١٩٦٥

لن نخوضَ في تفاصيل الحركة الشيوعيّة الأولى لأنّها لم تدم كثيرًا. فقد تأسّس الحزبُ الشيوعيّ الأوّل، كما ذكرنا، في العام ١٩٢١، ونجح في ضمّ عددٍ من المثقّفين والعمّال، وشارك في تنظيم سلسلةٍ من الإضرابات العمّاليّة في الإسكندريّة خلال العاميْن ١٩٢٣ و١٩٢٤. ولم تتأخّر حكومةُ حزب الوفد عن اعتقال قادة الإضراب وكوادرِ الحزب الشيوعيّ الوليد، الذي لم يتمكّن من تجاوز هذه الضربة الأمنيّة ولم يحاولْ إعادةَ البناء بعد ذلك.

غير أنّ إعادةَ البناء هذه بدأتْ في نهاية الثلاثينيّات، وأصبحتْ قوّةً سياسيّةً ذاتَ شأن خلال الحرب العالميّة الثانية. كانت "الحركة المصريّة للتحرّر الوطنيّ" من أكبر التنظيمات، وتحوّلتْ إلى "الحركة الديمقراطيّة للتحرّر الوطنيّ" (حدتو). ولكنْ سرعان ما ظهرتْ تنظيماتٌ منافسة، مثل "إيسكرا" و"تحرير الشعب." وقد تمكّنتْ هذه الأحزابُ من النموّ السريع في الجامعات، وفي بعض المناطق العمّاليّة مثل شبرا الخيمة والمحلّة الكبرى.

ولكنّ هذه الأحزاب، منذ ميلادها، كانت تتّسم بالتبعيّة الفكريّة والنظريّة والسياسيّة لموسكو والحزب الشيوعيّ الروسيّ. فقد كان على الشيوعيّين المصريّين تبنّي مواقف تتوافق مع السياسات الخارجيّة للاتحاد السوفييتيّ، وإنْ كانت كارثيّةً على المستوى المحلّيّ. وكان ستالين قد أحدث انقلابًا في أفكار الحزب الشيوعيّ الروسيّ وسياساته:

ــــ فبدلًا من الأمميّة وانتشار الثورة، جاء بنظريّة "الاشتراكيّة في بلدٍ واحد."

ــــ وبدلًا من الربط الثوريّ بين المهامّ الديمقراطيّة والاشتراكيّة بقيادة الطبقة العاملة، أيْ ديمومة الثورة، جاء بنظريّة المراحل الثوريّة وضرورة إتمام الثورات الوطنيّة والديمقراطيّة قبل البدء في مشروع الثورة الاشتراكيّة.

ــــ وبدلًا من القيادة المستقلّة للطبقة العاملة، جاء بسياسة "الجبهات الشعبيّة والوطنيّة" مع قطاعات من البرجوازيّة والبرجوازيّة الصغيرة.

وهكذا، بدلًا من أن تعمل الأحزابُ الشيوعيّة في العالم لمصلحة الثورة العمّاليّة في بلدانها، أصبح المطلوب هو خدمة السياسات الخارجيّة للاتحاد السوفييتيّ بتحالفاتها المختلفة وبتغيّراتها الحادّة.

تبنّى الشيوعيّون المصريّون الأفكارَ الستالينيّة بشكلٍ كامل، باستثناء مجموعةٍ صغيرةٍ من المثقّفين التروتسكيّين. وجاءت الكارثةُ الأولى، والكبرى، مع قرار تقسيم فلسطين، إذ كانت روسيا أوّلَ مَن وافق على القرار، بل أوّلَ دولةٍ تعترف بالكيان الصهيونيّ أيضًا. ولمّا كانت القضيّة الفلسطينيّة تحظى، منذ الثلاثينيّات، وبخاصّةٍ منذ ثورة ١٩٣٦ــــ ١٩٣٩ بمكانةٍ خاصّةٍ في وعي قطاعات واسعة من الشباب والمثقّفين في مصر، فقد أدّى قبولُ الحركة الشيوعيّة المصريّة قرارَ التقسيم وشرعيّةَ الدولة الصهيونيّة إلى تآكل مكتسبات الشيوعيين التنظيميّة، وإلى فقدان ثقة قطاعاتٍ واسعة من المتعاطفين معهم. وفي المقابل، تمكّن الإخوانُ المسلمون من زيادة حجمهم ونفوذهم (فقد نظّموا حملةَ تبرّعات شعبيّة لفلسطين في جميع أنحاء مصر)، على الرغم من أنّ موقفهم من القضيّة الفلسطينيّة كان يتّسم بالطائفيّة والعنصريّة، على اعتبار أنّ المعركة تجري بين "المسلمين واليهود."

وجاءت الكارثة الثانية في علاقة الحركة الشيوعيّة، خصوصًا "حدتو،" بحزب الوفد. فحزب الوفد كان حزبًا برجوازيًّا يقدِّم التنازلَ تلو الآخر للاحتلال البريطانيّ وللملَكيّة المصريّة، ويؤجِّل إلى المستقبل البعيد مطالبَ الجماهير الفقيرة (كالإصلاح الزراعيّ). كان الوفد يمثّل، بحقّ، إفلاسَ الوطنيّة البرجوازيّة، بل وقوفَها في صفوف الثورة المضادّة أيضًا. وكانت الفرصة تاريخيّةً لبناء حركة شيوعيّة مستقلّة في صفوف الطبقة العاملة، تطرح قيادةً عمّاليّةً للمطالب الديمقراطيّة والوطنيّة والاجتماعيّة، وتربط بين تحقيق هذه المطالب والثورةِ الاشتراكيّة. ولكنّ الحركة الشيوعيّة المصريّة، وخصوصًا الفصيل الأكبر "حدتو،" ظلّت تؤيّد حزبَ الوفد تأييدًا مطلقًا، على الرغم من التنازلات والخيانات. وهذا التذيّل للبرجوازيّة ظلّ مبدأً ثابتًا في صفوف جناحٍ كبيرٍ من الشيوعيّين المصريّين. والنتيجة بقاءُ الحركة الشيوعيّة خارج المنافسة السياسيّة، في حين هيمن "الوفد" والإخوانُ المسلمون على الساحة السياسيّة ــــ ما خلق الفراغَ الذي مهّد الطريقَ لانقلاب الضبّاط الأحرار سنة ١٩٥٢.

جاء انتحارُ الحركة الشيوعيّة الثانية في منتصف الستينيّات. كان النظام الناصريّ قد أصبح حليفًا للاتحاد السوفييتيّ، وتبنّى حزمةً من السياسات الاقتصاديّة (تأميمات، قيادة الدولة لعمليّة التنمية،...) تماشت مع البرامج المرحليّة للحركة الشيوعيّة. وبدأ في الاتحاد السوفييتيّ التنظيرُ "للطريق غير الرأسماليّ" للتنمية، ولاعتبارِ نظُمٍ مثل النظام الناصريّ نظُمًا "انتقاليّةً" نحو بناء الاشتراكيّة. كانت غالبيّةُ كوادر الحركة الشيوعيّة في السجون منذ العام ١٩٥٩، ولكنّهم قرّروا سنة ١٩٦٤ حلَّ "الحزب الشيوعيّ الموحّد" والانضمامَ بعد الافراج عنهم إلى الحزب الحاكم، وهو "الاتحاد الاشتراكيّ" في ذلك الحين. وكانت تلك الخطوة، التي أوصلتْ مبدأ "التذيّل للبرجوازيّة" إلى مستوًى بلغ درجةَ الذوبان فيها، لا مجرّد الإمساك بذيلها، بمثابة النهاية المأساويّة لما سُمّي الحركة الشيوعيّة الثانية.

 

الحركة الشيوعيّة الثالثة

مع بداية السبعينيّات تجمّعتْ حلقاتٌ ماركسيّة في الجامعات لتكوّن تنظيمًا "شيوعيًّا مصريًّا،" أصبح فيما بعد "حزبَ العمّال الشيوعيّ المصريّ،" وشكّلتْ بعضَ الحلقات التي كانت رافضةً لحلّ الحزب الشيوعيّ سنة ١٩٦٥ لتكوّن "الحزبَ الشيوعيّ ــــ ٨ يناير."

نمتْ هذه الحركة الشيوعيّة، وبخاصّةٍ "حزبُ العمّال،" في الجامعات مع اندلاع الحركة الطلّابيّة في العام ١٩٧٢. ولكنّها لم تتجاوز بضعَ آلافٍ من الكوادر والمتعاطفين، وغلب عليهم الطابعُ الطلّابيّ، وكانت قضيّتهم الأولى هي القضيّة الوطنيّة والمطالبة بالحرب مع الكيان الصهيونيّ. ولكنّهم نجحوا في كسب عددٍ من القيادات العمّاليّة في أهمّ المواقع، وبخاصّةٍ في حلوان والإسكندريّة. وكانت هناك أيضًا مجموعة صغيرة من التروتسكيّين الذين كوّنوا "العصبة الشيوعيّة" في تلك الفترة، وتميّزتْ بوضوح أفكارها وعمقِها، وبنقدها اللّاذع للستالينيّة وجرائمها، ولكنّها لم تتمكّن من الخروج من مرحلة مجموعة الدعاية. ثمّ جاءت الضرباتُ الأمنيّة المتتالية في بدايات الثمانينيّات لتضع نهايةً لتلك التجربة المهمّة.

وبالعودة إلى "حزب العمّال" فقد كان مشروعُه واعدًا بالفعل. إذ كان له نقدٌ ماركسيٌّ مهمٌّ للتجربة الناصريّة، وكان مستقلًا تنظيميًّا وسياسيًّا عن الاتحاد السوفييتيّ، وله نقده للبيروقراطيّة الحاكمة في موسكو. ولكنّه لم يتحرّر تمامًا من شبح الستالينيّة: فظلّ يدعو إلى ثورةٍ وطنيّة ديمقراطيّة تسبق الثورةَ الاشتراكيّة، وظلّ يرى في التنمية الوطنيّة المستقلّة هدفًا أساسيًّا بل سابقًا للثورة العمّاليّة، وظلّ يرى في الاتحاد السوفييتيّ نموذجًا اشتراكيًّا وإنْ شابته "انحرافاتٌ بيروقراطيّة."

ثمّ جاءت التطوّراتُ السريعة خلال السبعينيّات لتتسبّب في سلسلةٍ من الأزمات في هذا الحزب. فحرب ١٩٧٣ سحبت البساطَ من تحت الحركة الطلّابيّة الغاضبة، وبالتالي من تحت المحيط الرئيس لحزب العمّال. وجاءت انتفاضةُ ١٩٧٧ لتضع الحزبَ في اختبارٍ صعب، إذ لم يكن بالحجم أو بالخبرة اللذين يسمحان له بالتأثير في تلك الحركة العماليّة الضخمة. وتلت انتفاضةَ ١٩٧٧ سلسلةٌ من الاعتقالات في صفوف الحزب أضعفته كثيرًا.

سنة ١٩٧٥ أعادت الكوادرُ القديمة للحزب الشيوعيّ، الذي كان قد حلّ نفسَه سنة ١٩٦٥، تنظيمَ صفوفها. وسرعان ما بدأتْ في العمل على تكوين جبهة يساريّة واسعة، بموافقة السادات، تضمّ مختلفَ المجموعات الناصريّة والشيوعيّة ــــ وهذا هو التحالف الذي أصبح في العام ١٩٧٦ حزبًا شرعيًّا تحت اسم "حزب التجمّع الوطنيّ التقدميّ الوحدويّ."

                                                                 (رفعت السّعيد)

أعطت بداياتُ ذلك الحزب، على الرغم من ستالينيّته الصارخة وتاريخِ ارتباط قياداته بالنظام الناصريّ، كثيرًا من اليساريّين الأملَ. فجريدته، الأهالي، كانت توزِّع ما يقارب ١٥٠ألف نسخة أسبوعيًّا. ومثّل موقفُه المناهضُ لاتفاقيّات كامب ديفيد منبرًا لحالة الرفض العامّ للسلام مع الكيان الصهيونيّ. وتمكّن الحزب من تفعيل علاقات الحركة الشيوعيّة القديمة بالحركة العمّاليّة، فأصبحتْ له قواعدُ لا يستهان بها في قلب الطبقة العاملة. ولكنّ حزبَ التجمّع، تحت قيادة رفعت السعيد، وهو أحد كوادر حركة "حدتو" القديمة، أهدر كلَّ تلك الفرص والنجاحات بتقاربه مع نظام مبارك في الثمانينيّات، وتحالفه العلنيّ معه في التسعينيّات بحجّة محاربة الإرهاب "المتأسلم" (كما كان رفعت السعيد يفضّل تسميتَه).

الحركة الشيوعيّة، إذًا، تذيّلتْ لـ"الوفد" في الأربعينيّات، وتذيّلتْ لعبد الناصر في الستينيّات، وتذيّلتْ لمبارك في الثمانينيّات والتسعينيّات. ولم تكن تلك نهاية المطاف.

 

الحركة الشيوعيّة منذ التسعينيّات

شكّل انهيارُ الاتحاد السوفييتيّ زلزالًا في صفوف اليسار المصريّ. فبالنسبة إلى الستالينيّين كان يعني انهيارًا للنموذج الاشتراكيّ، ولبوصلتهم السياسيّة والنظريّة. وحتى بالنسبة إلى مَن كان له نقدٌ لتجربة الاتحاد السوفييتيّ، فقد شكّل انهيارُه السريع، وما بدا أنّه انتصار كاسح للرأسماليّة العالميّة وللإمبرياليّة الأمريكيّة، صدمةً موجعة.

وما بين إحباط اليسار بسبب انهيار الاتحاد السوفييتيّ، وبين رفعت السعيد وتذيّله لنظام مبارك، عادت ساحةُ اليسار لتشبه الصحراءَ من جديد. وكان على جيل جديد من الماركسيّين البدايةُ مرةً أخرى من نقطة الصفر؛ فكأنّنا في رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ، حيث تنتهي كلُّ حقبةٍ مأساويّة بتعبيره الشهير: "ولكنّ آفةَ حارتنا النسيان!"

في بداية التسعينيّات تكوّنتْ حلقاتٌ ماركسيّة راحت تبحث عن تفسيرٍ لما يحدث في مصر والعالم. لم يكن هذا الجيلُ الجديد من الماركسيّين محبَطًا بما حدث في الاتحاد السوفييتيّ، وكان مدخلُه إلى السياسة هو الانتفاضة الفلسطينيّة الأولى (١٩٨٧) التي دفعتْ بجيلٍ جديدٍ من المصريّين نحو الأفكار الثوريّة. وقد دفعتهم قراءاتُهم نحو الفكر التروتسكيّ بشكلٍ عامّ، وبشكلٍ خاصّ نحو كتابات الماركسيّ البريطانيّ توني كليف حول الاتحاد السوفييتيّ في وصفه نوعًا من "رأسماليّة دولة" ولا يمتّ إلى الاشتراكيّة بصلة.

أخذتْ هذه الحلقات تبلور أفكارَها حول خمسة محاور رئيسة.

ــــ أولًا، أنّ انهيار الاتحاد السوفييتيّ ليس سقوطًا للاشتراكيّة، بل لمنظومةٍ طبقيّةٍ قائمةٍ على رأسماليّة الدولة.

ــــ ثانيًا، أنّ الرأسماليّة العالميّة لم تتجاوزْ أزماتها، بل هي مقبلة على أزماتٍ أعنف في المستقبل القريب.

ــــ ثالثًا، أنّ القضيّة الفلسطينيّة غير قابلة للتصفية، وأنّ مشاريع أوسلو ومدريد والتنازلات المتتالية لمنظّمة التحرير لن تؤدّي إلى شيء، وأنّ الشعب الفلسطينيّ قادرٌ على الثورة مجددًا.

ــــ رابعًا، أنّ عدوّنا الرئيس هو نظام مبارك والرأسماليّة المصريّة، وأنّ التحالف مع ذلك النظام هو أكبرُ كارثة حلّت على اليسار المصريّ.

ــــ خامسًا، أنّ الهدف الأساس هو بناء حزب اشتراكيّ ثوريّ يكون في قلب الحركة العمّاليّة، ويكون في الوقت ذاته منبرًا لكلّ المضطهَدين.

على أساس هذه الأفكار تكوّن "تنظيمُ الاشتراكيّين الثوريّين" في منتصف التسعينيّات. ومن خلال رحلةٍ تخلّلها الكثيرُ من الانقسامات والتراجعات، تمكّن هذا التنظيمُ من تطوير أفكاره ودعايته، ومن كسب كوادر جديدة، كانت غالبيّتُها من الطلّاب والأعضاء السابقين في المجموعات القديمة. وجاء العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين بفرصٍ جديدةٍ لنموّ اليسار بشكلٍ عامّ، و"الاشتراكيّين الثوريّين" بشكلٍ خاصّ. فاندلاع الانتفاضة الفلسطينيّة الثانية خلق تضامنًا شعبيًّا مصريًّا غيرَ مسبوق، وقد شكّل الدورُ الفعّال لليسار في تنظيم ذلك التضامن دفعةً لموجةٍ جديدةٍ من النموّ وإعادة تنظيم الصفوف. ومشاركة اليسار بعد ذلك في مناهضة الحرب على العراق، وفي حركة "كفاية" والحراك الديمقراطيّ ضدّ نظام مبارك، أعطت "الاشتراكيّين الثوريّين" وغيرَهم من المجموعات الثوريّة إمكانيّات كبرى للنموّ وتراكم الخبرات.

ثمّ جاءت ثورةُ يناير ٢٠١١ لتشكّل فرصةً تاريخيّةً لليسار المصريّ. فها هي ثورة جماهيريّة يشارك فيها الملايين، وحركةٌ عماليّة غاضبة وقويّة نظّمت الآلافَ من الإضرابات، وحراكٌ ديمقراطيّ راديكاليّ جذب مئاتِ الآلاف من الشباب، في مواجهة نظام ديكتاتوريّ رأسماليّ مأزوم. كان ذلك بلا شكّ ما يسمّيه الماركسيّون "الوضعَ الثوريّ" النموذجيّ ــــ وهذا ما يستعدّ له أيُّ تنظيمٍ ماركسيّ؛ بل يشكّل الاستعدادُ للوضع الثوريّ والتدخّلُ المنظّمُ فيه مبرِّرَ وجود الحركة الماركسيّة.

ولكنّ الثورة جاءت لتواجه خريطةً سياسيّةً للمعارضة المصريّة تشكّلتْ عبر عقود طويلة، فيها معارضةٌ إسلاميّة بجذورٍ جماهيريّة على المستوى القوميّ، تُقدَّر كوادرُها والدوائرُ المتعاطفة معها بمئات الآلاف، في حين لم يتجاوز اليسارُ المصريّ المنظّم وغير المنظّم بضعةَ آلاف. وانعكس ذلك أيضًا على الوزن النسبيّ في المستوى الإيديولوجيّ؛ ففي العقد السابق للثورة، ظلّت سوقُ الأفكار المؤثِّرة تهيمن عليها أدبيّاتُ الحركة الإسلاميّة، وانحصرت الأفكارُ الماركسيّة في نطاقٍ ضيّقٍ نسبيًّا. التنافس، إذن، كان محسومًا في الفترة الأولى من الثورة لصالح الإسلاميّين.

ولكنّ تجربة الثورة نفسها دفعتْ بملايين من الشباب والعمّال للبحث عن بديلٍ يساريٍّ بالمعنى العامّ للكلمة، وبخاصّة مع انكشاف التناقضات الطبقيّة للإخوان وتخاذلهم، بل خيانتهم للثورة ــــ وهو ما ظهر في شعارات الثورة ومطالبها، وفي المشاركة الواسعة للنساء وللأقباط في الاعتصامات والمظاهرات الكبرى.

ولكنّ المواقف التي اتخذها قطاعٌ واسعٌ من اليسار في مواجهة الإخوان بعد وصولهم إلى السلطة، وتجاه انقلاب ٢٠١٣، أثبتتْ من جديد أنّ الستالينيّة مازالت تسري في عروق الكثير من اليساريّين. إذ لم يتردّد الحزبُ الشيوعيّ المصريّ، على سبيل المثال، من التحالف مع قوى النظام القديم (نظام مبارك) وعناصر من الجهاز الأمنيّ، بحجّة أنّ حكم الإخوان هو الخطر الأكبر؛ بل أيّدوا الانقلابَ العسكريّ في يوليو ٢٠١٣، وأيّدوا الفضَّ الدمويّ لاعتصام رابعة العدويّة!

وها قد عدنا من جديد إلى نظامٍ عسكريّ ديكتاتوريّ، بسياساتٍ ليبراليّة جديدة متطرّفة من حيث هجومها على معيشة الغالبيّة العظمى من المصريّين؛ نظامٍ خادمٍ لمصالح الكيان الصهيونيّ ورأسِ المال الخليجيّ. وها إنّ اليسار المصريّ يواجه تحدّياتٍ ضخمة؛ فقطاعٌ منه ارتمى في أحضان الديكتاتوريّة وانتهى سياسيًّا وإنْ لفظه الديكتاتور. ولكنّ هناك قطاعًا آخر، أكبرَ حجمًا وتأثيرًا، و"الاشتراكيّون الثوريّون" طرفٌ فحسب من أطرافه، شارك في ثورة يناير، وراكم الكثيرَ من الخبرات التي لن تتبخّر بين ليلةٍ وضحاها. والسؤال اليوم هو: هل سيتمكّن هذا اليسار من توحيد صفوفه والتعلّم من أخطائه بحيث لا نحمِّل جيلًا جديدًا من الماركسيّين المصريّين عبءَ البدء من الصفر مرّةً أخرى؟

مصر

اتّصل بنا من نحن دار الآداب